سوريا

الصيد الجائر في البادية السورية: رحلات المقناص تهدد الحياة البرية وتتحدى تطبيق القانون

الخبر٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٣:٥١ م0 مشاهدة
الصيد الجائر في البادية السورية: رحلات المقناص تهدد الحياة البرية وتتحدى تطبيق القانون

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الصيد الجائر في البادية السورية.. رحلات “المقناص” تهدد الحياة البرية وتختبر تطبيق القانون" نشر أولاً على موقع الخبر وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتزايد المخاوف مؤخراً بشأن استنزاف الحياة البرية في البادية السورية، مع تزايد رحلات الصيد الموسمية وتداول صور ومقاطع فيديو لصيادين يتباهون بحصيلة رحلاتهم من الطيور والحيوانات البرية. وتأتي هذه المخاوف وسط مناشدات من الأهالي والناشطين البيئيين للجهات المعنية بتشديد الرقابة وتطبيق القوانين المنظمة للصيد.

وتتزامن هذه المخاوف مع تقارير إعلامية سورية رصدت نشاط مجموعات الصيد على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن توجه قوافل من الصيادين العرب إلى مناطق البادية، وما يرافقه ذلك من مخاطر على أنواع برية، بينها الحبارى والغزلان والأرانب والقطا. وبحسب تقارير إعلامية محلية، بدأ موسم الصيد في البادية مع توجه صيادين خليجيين إلى المنطقة، مشيرة إلى أن الطرائد المستهدفة تشمل الغزلان والأرانب والحبارى والقطا، في ظل تحذيرات من الصيد العشوائي والاتجار بالطيور النادرة.

وتناولت مقاطع مصورة رافقت مجموعة من “المقانيص”، أو نشرها صيادون بأنفسهم، خلال رحلات صيد في البادية السورية مؤخراً، توثيقاً بصرياً لنشاط بعض هذه الرحلات، وإن كان لا يكفي وحده لتحديد حجم الصيد أو مدى التزام المشاركين بالضوابط القانونية.

مناشدات ..

يناشد أهالي البادية السورية عبر صفحاتهم على مواقع التواصل، بضرورة ضبط رحلات الصيد، مؤكدين دخول عشرات المركبات إلى مناطق البادية خلال الموسم الحالي، وتداول صور ومقاطع لصيد أعداد كبيرة من الطيور والأرانب البرية. ولفتت المطالبات إلى أن بعض الصيادين باتوا يتجنبون نشر حصيلة رحلاتهم على منصات التواصل، بعد الانتقادات التي أثارتها مشاهد الصيد بكميات كبيرة. وتعكس هذه المناشدات جانباً من اتساع الاعتراض المجتمعي على الممارسات غير المنضبطة، وتطرح تساؤلات حول قدرة الرقابة الميدانية على مواكبة نشاط الصيد في المساحات الصحراوية المفتوحة.

من منصات التواصل إلى مناطق الصيد.. ظاهرة تتجاوز البادية

لا تقتصر مظاهر الصيد الجائر في سوريا على البادية، بل تشير عمليات الرصد الإعلامي إلى انتشارها في مناطق سورية متعددة. وتتبعت تقارير صحفية منشورات مستخدمين ومجموعات متخصصة بالصيد على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصدت صوراً ومقاطع توثق اصطياد الطيور والحيوانات والأسماك، مع تباهي بعض الناشرين بكميات الطرائد أو بنوعية الحيوانات المصطادة.

وحددت التقاير مناطق متعددة تنتشر فيها هذه الممارسات، بينها غابات الفرلق في اللاذقية، وسهل الغاب في حماة، وسيحة أبو ظهور وجسر الشغور في إدلب، ومنطقة الوعر في حمص، والغوطة بريف دمشق، وعفرين في حلب. وتكشف هذه المعطيات أن المشكلة لا ترتبط بموقع جغرافي واحد أو بنوع محدد من الصيد، وإنما تتصل بمدى القدرة على ضبط نشاط الصيادين ومراقبة الوسائل المستخدمة، ولا سيما مع اتساع نطاق المجموعات الرقمية التي تتيح تداول صور الصيد والترويج له. وإن كانت المنشورات المتداولة لا تكفي وحدها لإثبات الأعداد المصطادة أو تحديد مواقع التصوير وجنسيات أصحاب الحسابات، إلى جانب ما قد يعطيه إعادة نشر المقاطع القديمة من انطباع مضلل عن حجم النشاط خلال الموسم الحالي.

الحبارى والطيور المهاجرة.. خسارة تتجاوز أعداد الطرائد

تكتسب المخاوف المتعلقة بالصيد في البادية السورية أهمية إضافية بسبب طبيعة الأنواع التي تتعرض للاستهداف، وفي مقدمتها طيور الحبارى وبعض الطيور المهاجرة والحيوانات البرية التي تعتمد على الموائل الصحراوية وشبه الصحراوية. وتشكل الحبارى أحد الأنواع ذات الأهمية البيئية في البيئات الجافة، وتتأثر أعدادها بفقدان الموائل والضغط الناتج عن الصيد، فضلاً عن عوامل أخرى تتعلق بتغير استخدام الأراضي وتدهور البيئة الطبيعية.

كما تمر سوريا ضمن أحد مسارات الهجرة الرئيسية للطيور بين أفريقيا وأوراسيا، ما يجعل مناطقها الطبيعية محطات للتغذية والراحة خلال رحلتي الهجرة الخريفية والربيعية. ويعني استهداف الطيور خلال هذه الفترات أن آثار الصيد قد تمتد إلى مجموعات تعبر الحدود السورية، ولا تقتصر على التجمعات المحلية.

وفي تقرير نشرته وكالة “سانا” مؤخراً، حذرت الوكالة من استخدام الشباك الممتدة ومكبرات الصوت وآلات التسجيل لاستدراج الطيور، موضحة أن هذه الوسائل لا تميز بين الأنواع المستهدفة وغيرها، وقد تطال طيوراً نادرة وجوارح وخفافيش وكائنات نافعة. وأشار التقرير إلى أن الطيور المهاجرة ربما تتعرض للإصابة والإجهاد والجفاف والافتراس بعد وقوعها في الشباك، حتى إن تحرير بعضها لا يعني بالضرورة قدرتها على استكمال رحلة الهجرة، نتيجة إصابات الأجنحة والأرجل والريش. وحذر التقرير من تأثير الصيد خلال الهجرة، ولا سيما عندما يستهدف الطيور البالغة قبل وصولها إلى مناطق التكاثر، بما قد ينعكس على أعداد الأجيال اللاحقة.

ولا تقف التداعيات عند فقدان الطيور نفسها، إذ تؤدي أنواع منها أدواراً في مكافحة الحشرات والآفات الزراعية ونشر البذور، وتشكل في الوقت نفسه جزءاً من السلسلة الغذائية لأنواع أخرى من الحيوانات والطيور الجارحة. ويمكن لتراجع الطيور الآكلة للحشرات، مثل السنونو والوروار، أن يضعف المكافحة الطبيعية للآفات الزراعية، وقد يزيد الحاجة إلى استخدام المبيدات، فضلاً عن تأثيره في الكائنات التي تعتمد على هذه الطيور مصدراً للغذاء.

استنزاف موثق وتحذيرات من تراجع الأنواع البرية

ذكرت تقارير سابقة أن الصيد الجائر أدى بالفعل إلى تراجع أعداد لأنواع برية محلية ومهاجرة، ودفع حيوانات إلى الانتقال نحو مناطق أكثر أماناً أو الاختفاء من مواطنها الطبيعية. ونقلت التقارير تقديراً بأن نحو 90 بالمئة من الأنواع البرية في البادية السورية تضررت أو اختفت نتيجة الصيد الجائر خلال السنوات الماضية. ويرجع الخبراء انتشار الظاهرة إلى عوامل متداخلة، بينها ضعف الوعي البيئي، وتراجع قدرة المؤسسات على تطبيق القوانين خلال سنوات الحرب، والظروف الاقتصادية التي دفعت بعض الأفراد إلى الصيد باعتباره مصدراً إضافياً للدخل. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الصيد المرتبط بالحاجة المعيشية وبين الرحلات الترفيهية واسعة النطاق التي تستهدف أعداداً كبيرة من الطرائد، إذ تختلف دوافع الممارسين، لكنهما تخضعان للضوابط القانونية ذاتها.

قانون الصيد البري.. تنظيم قائم يحتاج إلى تطبيق

لا يخلو التشريع السوري من إطار قانوني لتنظيم الصيد وحماية الحياة البرية، إذ ينظم القانون رقم 14 لعام 2023 الصيد البري، وألغى المرسوم التشريعي رقم 152 لعام 1970. ويشترط القانون الحصول على رخصة صيد، إلى جانب ترخيص حمل وحيازة سلاح الصيد، ويحدد موسم الصيد عموماً من الأول من أيلول حتى مساء 15 شباط، مع السماح بممارسة الصيد بعد ساعة من شروق الشمس وحتى ساعة قبل الغروب، وإمكانية تعديل الموسم أو إلغائه في مناطق أو فترات معينة لحماية الأنواع البرية.

ولا يعني دخول الموسم إباحة صيد جميع الطيور والحيوانات، إذ تُحدد الأنواع المسموح بصيدها والممنوع صيدها، والأعداد المسموح بها لكل صياد في الرحلة الواحدة، وفق الضوابط المعتمدة. كما يحظر القانون الصيد في المحميات الطبيعية والمناطق المأهولة والأماكن المحددة قانوناً، ويمنع استخدام وسائل الصيد المحظورة، ومنها السموم والغازات والآلات الكهربائية، ومطاردة الطرائد بالمركبات ذات المحركات الآلية، إضافة إلى الاعتداء على الأعشاش والبيض والفراخ وصغار الحيوانات البرية.

وتنص المادة 22 على عقوبات تشمل الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر أو الغرامة من 250 ألفاً إلى 500 ألف ليرة سورية (قديمة) لمخالفات تتعلق بالصيد خارج الموسم أو في الأماكن المحظورة أو باستخدام وسائل ممنوعة، أو مخالفة الأنواع والأعداد المسموح بها. وفي سياق تطبيق القانون، أوردت “سانا” سابقاً، أن حملة نفذتها الضابطة في منطقتي النبك ويبرود بريف دمشق أسفرت عن إتلاف أكثر من 500 متر من شباك الصيد المخالفة وتحرير عدد من الطيور العالقة فيها. وتوضح هذه الواقعة إمكانية تنفيذ إجراءات ضبط ميدانية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن نطاق تغطية هذه الحملات واستمراريتها، ومدى وصولها إلى مناطق البادية الواسعة التي تتطلب إمكانات رقابية وتنسيقاً بين جهات متعددة.

من الضبط الموسمي إلى إدارة مستدامة للحياة البرية

تتطلب حماية البادية السورية الانتقال من الاستجابة للمخالفات بعد وقوعها إلى إدارة مستدامة للصيد، تبدأ بتوفير بيانات دورية عن أعداد الأنواع البرية ومناطق انتشارها، وتحديد الأنواع المسموح بصيدها وكمياتها بناءً على دراسات علمية، لا على تقديرات عامة أو اعتبارات موسمية فقط. وتستدعي تعزيز دور الضابطة المختصة بالتنسيق مع الجهات الأمنية والزراعية والبيئية، وتكثيف الدوريات في المناطق التي تشهد نشاطاً للصيد، ومراقبة الاتجار بالطرائد ونقلها، والتحقق من التراخيص والالتزام بالأنواع والأعداد المسموح بها، بصرف النظر عن جنسية الصياد أو صفته.

وتبرز أيضاً أهمية إشراك المجتمعات المحلية في الإبلاغ عن المخالفات، وإتاحة معلومات واضحة عن مواسم الصيد ومناطقه والأنواع المحمية، إلى جانب توعية الصيادين بمخاطر الوسائل غير الانتقائية التي قد تتسبب بنفوق أنواع لا تستهدفها رحلات الصيد أصلاً. فالمسألة لا تتعلق بمنع نشاط الصيد المنظم، بقدر ما تتعلق بضمان عدم تحوله إلى استنزاف للموارد الطبيعية، في منطقة تشكل الحياة البرية فيها جزءاً من التوازن البيئي الذي تعتمد عليه التربة والمراعي والأنشطة الزراعية، وتبقى حمايته شرطاً لاستدامة هذه الموارد.

شارك الخبر: