من مقام الطلب إلى مقام الحظوة: رحلة فلسفية في خصوصية المقام المحمدي


هذا الخبر بعنوان "من مقام السؤال والطلب إلى مقام الحظوة والرضا..قراءة فلسفية في خصوصية المقام المحمدي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس نضال رشيد بكور
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
هو الحقُّ يُملي في الوجودِ شؤونَهُ وتخضعُ أصنامُ الظنونِ لنورِهِ أتى الكونُ ملهوفاً يفتّشُ عن هُدًى فلاحَ جلالُ اللهِ في دَيجورِهِ تلوذُ به الأرواحُ في كلِّ مأزقٍ ويشهدُ نبضُ العقلِ سرَّ قديرِهِ فما عبدَ الإنسانُ إلا مَليكَهُ وإن ضلَّ أعمى في سرابِ قصورِهِ
الحمد لله الذي خلق الوجود من عدم، وجعل النبوة حبل الوصل بين التراب والسماء. ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادةً نخلع بها قيود الوهم، ونبرأ بها من لوثة الشرك. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صفوة الخلق، وإمام المحققين، وسيد العارفين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً ممتدةً ممدودةً ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد: إن الوجود في جوهره مراتب، والمقامات عند الله منازل ومواهب، وإن أعمق ما تتجلى فيه الفلسفة التوحيدية هو دراسة حركة الطلب بين التراب والسموات. فإذا تأملتم في فلسفة النبوة، وفي مسارات الأنبياء والرسل عبر التاريخ البشري، ستجدون خيطاً ناظماً مشتركاً بين الأنبياء جميعاً، وهو خيط الطلب والدعاء. لقد تحرك الأنبياء، صلوات الله عليهم، من مقام العبد السائل، الذي يرفع حاجته الكونية مستمداً من الله العون والمدد، مواجهاً عجز المادة، أو عناد قومه، أو حيرة نفسه؛ فيرفع كفّيه إلى السماء، طالباً من الله المدد، ومتوسلاً بالوسيلة، سائلاً الغاية. فهذا أبونا آدم عليه السلام، حين أدركه ثقل الخطيئة ومرارة الهبوط، وقف يطلب المغفرة والرحمة، قائلاً: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهذا نوح عليه السلام، بعد قرون من المحاولة والصبر وسط أمواج العناد، نادى ربه نداء الاستغاثة والطلب: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. وهذا كليم الله موسى عليه السلام، حين واجه صعوبة التكليف ومواجهة فرعون، طفق يسأل ربه أدوات التمكين، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. وحين تمنى الرؤية قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وأما روح الله عيسى عليه السلام، فحين أراد آيةً تطمئن بها قلوب الحواريين، سأل ربه مائدةً من السماء، فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. وخليل الله إبراهيم عليه السلام، يطلب الأمن لبنيه وللبلد الحرام، ويطلب بعثة الرسول فيهم، فيقول: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. كل هؤلاء العظام، على علو شأنهم ورفيع مقامهم، كانوا في مقام المريد السائل؛ يتقدمون بالطلب، وينتظرون الإجابة.
سَرَتْ بالوجودِ إشاراتُهُ وضاءتْ بنورِ الهدى طُرُقُهُ أقامَ الدليلَ على سِرِّنا فبانَ من الفجرِ ما نفقهُ وما كلُّ نادٍ يُنادى به ولا كلُّ أمرٍ لنا يُشبهُ فمن قاصدٍ ظلَّ يبغي النَّدى ومن سيّدٍ ودُّهُ الممنحُ
العتبة المحمدية.. من السؤال إلى الحظوة
قفوا هنا، وتأملوا بعين الفلسفة والعمق والتدبر… حين نصل إلى العتبة المحمدية، ينعكس المسار، ويتغير النمط، ويتحول المنطق من رتبة السؤال والطلب إلى رتبة الحظوة والجاه. لقد تحرك المصطفى ﷺ من مقام المحب المراد، الذي تُساق إليه الرغائب قبل إبداء الطلب، لتكون إجابته تنفيذاً لمراد الإله في إرضائه، لا مجرد استجابة لمسألة عابرة. في السيرة والمقام المحمدي، لم يكن محمد ﷺ هو من يقف على أعتاب الطلب فحسب، بل كان الحق سبحانه وتعالى هو من يبتدئه بالمنح، ويقول له في مواطن التجلي والكرامة: «يا محمد، سل تُعطَ، واشفع تُشفَّع». السماء هنا هي التي تدعوه وتدفعه إلى السؤال؛ لأن العطاء مضمون ومسبوق بالمحبة. الله جل جلاله يعطيه قبل أن ينطق، بل يعطيه ليرضيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. لم يصف الله نبياً بآية الرضا هذه كما وصف محمداً ﷺ. إنه مقام لا يبحث عن إجابة الطلب، بل يبحث عن رغبة المصطفى، حتى في تحويل القبلة. لم يرفع محمد ﷺ يده بالدعاء صراحةً، بل كان يقلّب وجهه في السماء شوقاً وترقباً، فنزل القرار الإلهي فوراً: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. هذه هي المفارقة الفلسفية الكبرى: الأنبياء سألوا ليُعطَوا، ومحمد ﷺ قيل له: «سل تُعطَ». لأن ذاته غدت محلاً للرضا الإلهي. هو لم يطلب المعراج، بل استُدعي إليه، ولم يطلب السيادة، بل جُعل سيد ولد آدم ولا فخر.
انعكاس المقام المحمدي على الأمة
أيها المسلمون: إن انعكاس هذا المقام الأسمى على الأمة المحمدية يمثل حجر الزاوية في صياغة هويتها الروحية؛ فالأمة التي نبيها مستدعى لا سائل هي أمة مرحومة، جُعلت خير أمة أخرجت للناس تبعاً لخيرية نبيها. إن هذا التكريم لم يكن لشخصه مجرداً عن رسالته، بل هو تكريم لمنهجه ولأمته، التي ادّخر لها دعوته المستجابة شفاعةً يوم القيامة، وادّخر لها القيادة الروحية والأمان في الدنيا والآخرة؛ لتقتبس من جاه نبيها عند خالقها ما يجعلها شاهدةً على الأمم، ووارثةً للمقامات الفلسفية والأخلاقية الرفيعة، التي تجعل وجودها في الوجود وجوداً استثنائياً قائماً على الوسطية والشهود. فاعرفوا قدر نبيكم، واستمسكوا بنهجه العظيم.
عزة الأمة من عظمة انتمائها
عباد الله: إن الوقوف في ظلال الجاه المحمدي ليس ترفاً فكرياً، ولا سياحةً في عمق الفلسفة العقلية، بل هو زلزال يضرب ركود النفوس ليوقظ فيها هيبة الانتماء. إن الأمة التي يُنادى نبيها في علياء السموات: «سل تُعطَ»، لا يليق بها أن تقف على أعتاب الوهن، سائلةً عزتها من تراب الأرض. ولا يصح في منطق الوجود أن تنحني أمة المصطفى لغير خالقها، وقد أُلبست رداء الخيرية والشهود. فيا أيها المسلمون، ويا أتباع هذا المقام الرفيع: اجعلوا من رضا الله غايتكم، ومن نهج نبيكم مستندكم، وارتقوا بنفوسكم عن سفاسف المادة ودناءة المطامع. فمن كان نبيه صاحب الحظوة والرضا، كيف يرضى لنفسه أن يعيش في غيابات الغفلة والتبعية؟ استمسكوا بالعروة الوثقى، وعظّموا شعائر ربكم، واعلموا أن عزة هذه الأمة رهينة بعودتها إلى نبعها الأول؛ فما ضلّت أمة نبيها مراد ومحبوب إلا حين استبدلت بنور الوحي ظلمات الهوى.
الدعاء
اللهم يا من ابتدأت نبيك بالرضا قبل السؤال، وجعلت مقامه فوق كل مقام، نسألك بجاهه عندك، وبعظيم قدره لديك، أن ترفع عن هذه الأمة البلاء، وأن تحقن دماءها، وأن تؤمّن روعاتها، وتصلح أحوالها. اللهم أصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من ظلمات الوهم إلى أنور المعرفة والعزة. اللهم اجعلنا من أهل شفاعته، واسقنا من حوضه الشريف شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبداً.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
جمعة مباركة بإذن الله تعالى. تقبّل الله طاعتكم (أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة