سوريا
ثقافة

ألمانيا والصين: مقارنة بين نموذجين تعليميين مختلفين ودور القطاع الخاص من الروضة حتى الجامعة

syriahomenews٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٤٢ ص0 مشاهدة
ألمانيا والصين: مقارنة بين نموذجين تعليميين مختلفين ودور القطاع الخاص من الروضة حتى الجامعة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التعليم في ألمانيا والصين.. نموذجـان مختلفان في إدارة المنظومة التعليمية ودور القطاع الخاص من رياض الأطفال حتى الجامعة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تقدم ألمانيا والصين تجربتين متباينتين في إدارة المنظومة التعليمية وتنظيم مراحلها. فبينما تتبنى ألمانيا نظاماً تعليمياً اتحادياً يمنح ولاياتها صلاحيات واسعة في إدارة المدارس ووضع السياسات التعليمية، تعتمد الصين نظاماً مركزياً تقوده الدولة، مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات التعليمية ضمن ضوابط ورقابة حكومية مشددة. تبرز أهمية المقارنة بين هاتين التجربتين في مسألة دور الدولة والقطاع الخاص، خاصة في التعليم ما قبل الجامعي، ومدى السماح بإنشاء المدارس الخاصة في مراحل رياض الأطفال والتعليم الأساسي والثانوي.

أولاً: ألمانيا.. تعليم حكومي مجاني ومدارس خاصة معترف بها قانونياً

يقوم النظام التعليمي الألماني على مسؤولية الولايات الاتحادية الست عشرة، حيث تتولى كل ولاية إدارة شؤون التعليم ووضع المناهج وتنظيم المدارس والإشراف عليها، ضمن أطر ومعايير مشتركة تضمن الاعتراف بالشهادات والمؤهلات التعليمية على مستوى البلاد. تبدأ المرحلة التعليمية المبكرة برياض الأطفال ومراكز الرعاية والتربية، وهي مرحلة غير إلزامية في معظم الحالات، وتتاح فيها مؤسسات حكومية وخاصة وأهلية. ويبدأ التعليم المدرسي الإلزامي عادة في سن السادسة، حيث يلتحق الأطفال بالمدرسة الابتدائية (Grundschule)، التي تستمر أربع سنوات في معظم الولايات، وست سنوات في برلين وبراندنبورغ. بعد ذلك ينتقل الطلاب إلى المرحلة الثانوية، التي تتعدد مساراتها وفقاً لقدراتهم ونتائجهم الدراسية، وتشمل مدارس التعليم العام والمدارس المؤهلة للالتحاق بالجامعات، إلى جانب المسارات المهنية والتقنية. ويتيح النظام للطلاب الانتقال بين المسارات والحصول على مؤهلات مختلفة، وصولاً إلى الشهادة الثانوية المؤهلة للدراسة الجامعية (Abitur). أما التعليم العالي، فتتوزع مؤسساته بين الجامعات الحكومية والخاصة والجامعات التطبيقية، وتخضع جميعها لمعايير الاعتماد والاعتراف الأكاديمي.

هل تسمح ألمانيا بالمدارس الخاصة قبل الجامعة؟

نعم، تسمح ألمانيا بإنشاء وتشغيل مؤسسات تعليمية خاصة في مختلف المراحل، بما فيها رياض الأطفال والمدارس الابتدائية والثانوية، إلى جانب الجامعات الخاصة. وتنص المادة السابعة من الدستور الألماني على ضمان حق إنشاء المدارس الخاصة، بما ينهي احتكار الدولة للتعليم، لكنه لا يعني ترك هذه المؤسسات من دون رقابة، إذ تخضع لإشراف السلطات التعليمية الحكومية، ويتعين عليها الالتزام بالمعايير القانونية والتربوية المعتمدة. وتنقسم المدارس الخاصة عموماً إلى مدارس تتلقى دعماً حكومياً وأخرى تعتمد بدرجة أكبر على الرسوم ومصادر التمويل الخاصة، وتشمل مدارس ذات توجهات تربوية وفلسفية ودينية مختلفة، ومدارس دولية تقدم مناهج أجنبية. لكن هناك قيد مهم يتعلق بالمدارس الابتدائية الخاصة، إذ لا يسمح بإنشائها بصورة مطلقة، وإنما وفق شروط دستورية صارمة، من بينها وجود مصلحة تربوية خاصة أو عدم توافر مدرسة حكومية من النوع المطلوب في المنطقة المعنية. وبذلك، لا تقوم التجربة الألمانية على احتكار الدولة للتعليم، بل على وجود قطاعين حكومي وخاص يعملان ضمن منظومة قانونية واحدة، مع احتفاظ الدولة بمسؤولية الإشراف وضمان جودة التعليم.

ثانياً: الصين.. الدولة تقود التعليم والقطاع الخاص يعمل ضمن ضوابط مشددة

أما في الصين، فيقوم النظام التعليمي على دور مركزي للدولة في التخطيط والإدارة والإشراف، مع مشاركة واسعة للمؤسسات التعليمية غير الحكومية، التي تسمح القوانين بإنشائها وتشغيلها في مراحل تعليمية متعددة. ويتكون النظام من مرحلة التعليم قبل المدرسي، ثم التعليم الابتدائي الذي يستمر عادة ست سنوات، يليه التعليم الإعدادي لمدة ثلاث سنوات، ليكتمل بذلك التعليم الإلزامي الممتد لتسع سنوات، والذي تكفله الدولة للأطفال واليافعين. وبعد انتهاء التعليم الإلزامي، ينتقل الطلاب إلى المرحلة الثانوية العليا، التي تستمر عادة ثلاث سنوات، وتتوزع بين التعليم الأكاديمي العام والتعليم المهني والتقني، وفقاً لقدرات الطلاب ومتطلبات سوق العمل. ويخضع الانتقال إلى التعليم الجامعي لنظام امتحانات القبول الوطني المعروف باسم «غاوكاو» (Gaokao)، وهو من أبرز المحطات في المسار التعليمي الصيني، نظراً لدوره في تحديد فرص الالتحاق بالجامعات والتخصصات المختلفة. وتضم الصين شبكة واسعة من الجامعات الحكومية، إلى جانب جامعات ومؤسسات تعليمية خاصة، كما توسعت في التعليم المهني والتقني بهدف تأهيل الكوادر اللازمة للصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد.

هل تسمح الصين بإنشاء مدارس خاصة قبل الجامعة؟

نعم، تسمح الصين قانونياً بإنشاء مؤسسات تعليمية خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة والمرحلتين الابتدائية والثانوية، إضافة إلى مؤسسات التعليم العالي والتدريب المهني. وينظم ذلك قانون تعزيز التعليم الخاص، الذي يمنح المؤسسات غير الحكومية صفة قانونية ويقر بحقها في ممارسة النشاط التعليمي، لكنه يضعها تحت إشراف الجهات الحكومية المختصة، ويلزمها بالحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة. إلا أن الصين أدخلت تعديلات مهمة على تنظيم التعليم الخاص دخلت حيز التنفيذ في أيلول 2021، وفرضت بموجبها قيوداً أكثر صرامة، ولا سيما على المدارس التي تقدم التعليم الإلزامي. ومن أبرز هذه القيود منع المدارس الحكومية التي تقدم التعليم الإلزامي من إنشاء مدارس خاصة أو المشاركة في تأسيسها، كما حظرت على الشركات والمؤسسات الأجنبية الخاضعة لسيطرة أجنبية التحكم في مدارس التعليم الإلزامي الخاصة أو المشاركة في إدارتها. كذلك، فرضت السلطات قيوداً على الأنشطة الربحية في التعليم الإلزامي، وشددت الرقابة على الرسوم الدراسية والقبول والمناهج والإدارة المالية، مع إلزام المدارس الخاصة بالالتزام بالمناهج الوطنية وعدم استخدام الكتب الأجنبية في مدارس التعليم الإلزامي. وبالتالي، فإن الصين لا تمنع التعليم الخاص، لكنها تميز بوضوح بين المراحل التعليمية؛ إذ تتيح مجالاً أوسع للمؤسسات الخاصة في التعليم قبل المدرسي والثانوي الأعلى والتعليم العالي، مقابل ضوابط أشد في مرحلتي التعليم الابتدائي والإعدادي اللتين تشكلان التعليم الإلزامي.

مقارنة التجربتين.. ما القواسم المشتركة والاختلافات؟

على الرغم من الاختلاف الكبير بين النموذجين الألماني والصيني، فإنهما يتفقان على مبدأ أساسي، يتمثل في عدم ترك التعليم الخاص خارج سلطة الدولة وإشرافها. ففي ألمانيا، يتمتع القطاع الخاص بمساحة واسعة من الاستقلالية، ويمكنه إنشاء المدارس في مختلف المراحل، مع الالتزام بالمعايير التعليمية والرقابة الحكومية، فيما تتميز الصين بدور أكثر مركزية للدولة، وقيود إضافية على الملكية والإدارة والربحية، ولا سيما خلال سنوات التعليم الإلزامي. وفي البلدين، لا يعني السماح بالمدارس الخاصة التخلي عن مسؤولية الدولة في توفير التعليم العام، بل تستمر المدارس الحكومية في أداء الدور الأساسي، مع توفير التعليم المجاني أو المدعوم في مراحل التعليم الإلزامي. كما أن وجود مؤسسات تعليمية خاصة لا يعفيها من الالتزام بالمناهج والمعايير والامتحانات والاشتراطات القانونية، ولا يمنحها الحق في منح شهادات غير معترف بها رسمياً.

خلاصة

تؤكد التجربتان الألمانية والصينية أن وجود مدارس خاصة إلى جانب المدارس الحكومية ليس بالضرورة تعارضاً مع مسؤولية الدولة عن التعليم، بل يمكن تنظيمه ضمن إطار قانوني يحدد شروط الترخيص والإدارة والمناهج والرسوم والرقابة وضمان جودة المخرجات. لكن الاختلاف يكمن في مساحة الحرية الممنوحة للقطاع الخاص؛ فألمانيا تتبنى نموذجاً أكثر انفتاحاً وتعددية، مع قيود خاصة على التعليم الابتدائي، بينما تعتمد الصين نموذجاً أكثر مركزية، وتفرض قيوداً مشددة على التعليم الخاص خلال سنوات التعليم الإلزامي. ومن هنا، فإن الدرس الأبرز من التجربتين لا يتعلق بمجرد السماح أو عدم السماح بإنشاء المدارس الخاصة، وإنما بكيفية بناء شراكة منظمة بين الدولة والقطاع الخاص، تضمن حق التعليم الجيد والمتكافئ لجميع الأطفال، وتحافظ في الوقت نفسه على جودة العملية التعليمية وعدم تحولها إلى نشاط تجاري مجرد (أخبار سوريا الوطن-مصادر رسمية من الصين وألمانيا).

شارك الخبر: