سوريا

تشكيل الهوية السورية: من المملكة العربية إلى تحديات الانتداب الفرنسي

syria.tv٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:١٢ ص0 مشاهدة
تشكيل الهوية السورية: من المملكة العربية إلى تحديات الانتداب الفرنسي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الهُوية السورية أواخر العهد الفيصلي وأوائل فترة الانتداب الفرنسي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شكلت مرحلة المملكة العربية السورية (1918-1920) مختبراً حقيقياً لتجسيد الهوية السورية، محولةً إياها من مفاهيم نخبوية إلى ممارسات مؤسساتية وسياسية على أرض الواقع. رغم التحديات التي فرضتها الحرب العالمية الأولى، سعت الحكومة العربية في دمشق جاهدة لإثبات قدرة السوريين على إدارة شؤونهم وتأسيس دولة قانون ومواطنة.

تم العمل على بناء جيش وطني سوري جديد، ليس فقط كضرورة دفاعية، بل كتعبير عن السيادة الوطنية. ضمت القيادة ضباطاً سوريين وعرباً ذوي خبرة من المؤسسة العسكرية العثمانية، مع التركيز على تنظيم التدريب وصياغة عقيدة عسكرية وطنية تتجاوز الولاءات الفئوية.

شهدت الفترة أيضاً ثورة تعليمية تمثلت في تعريب المناهج والدراسات العليا، بما في ذلك معهد الحقوق والمدرسة الطبية، وتأسيس المجمع العلمي العربي عام 1919 لرعاية اللغة العربية والبحث العلمي. كما تم رفع العلم العربي السوري واعتماد نشيد وطني يعكس التطلع للحرية والاستقلال.

اقتصادياً، أسست الحكومة إدارة مالية سورية، ونظمت الجباية والضرائب، وبنت نظاماً جمركياً واقتصادياً مستقلاً عن التبعية العثمانية، بهدف ترميم البنية التحتية المتضررة من الحرب.

في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية، واجهت وزارة الصحة أزمات المجاعة والأوبئة، وعملت على تنظيم المستشفيات والرعاية الاجتماعية للتخفيف من آثار سنوات الحرب والمجاعة.

في موازاة الجهود السياسية في دمشق، نشأت حركة مقاومة مسلحة في شمال سوريا ضد التمدد الفرنسي، بقيادة شخصيات مثل إبراهيم هنانو، وصالح العلي، وصبحي بركات. رأى الثوار السوريون في الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال حليفاً طبيعياً ضد العدو الفرنسي المشترك، وشاركوا في معارك جنوب الأناضول لدعم الجبهة الشمالية.

لكن سرعان ما تبددت أوهام التضامن مع توقيع الحكومة الكمالية اتفاقية أنقرة مع فرنسا في تشرين الأول/أكتوبر 1921، مما أدى إلى تخلي الكماليين عن السوريين وتوقف دعمهم العسكري. أدى هذا الخذلان إلى تشتت ثورة الشمال أمام القوات الفرنسية.

عانى البطل إبراهيم هنانو من ملاحقة فرنسية مكثفة، وتم اعتقاله وتسليمه للسلطات الفرنسية. جرت محاكمته الشهيرة في حلب عام 1922، والتي تحولت إلى محاكمة للاحتلال نفسه، وانتهت بتبرئته تحت ضغط الغضب الشعبي.

كان لخذلان الكماليين أثر عميق على الوعي السياسي السوري، مما دفع النخب والثوار إلى التركيز على بناء وتحديد الهوية الوطنية السورية المتمايزة، في مواجهة الاستعمار الفرنسي والوعود التركية المهدورة.

تحولت شخصيات مثل إبراهيم هنانو إلى رموز وطنية جامعة، وأصبحت تجربة النضال دليلاً على أن الوطنية السورية قضية وجود وكرامة. لقد استثمر الكماليون الرابطة الإسلامية لمصالحهم ثم تخلو عنها، مما كشف عن واقعية السياسة الدولية.

كانت التجربة الفيصلية، بما رافقها من بناء مؤسساتي وهزات ناتجة عن معركة ميسلون وخذلان الكماليين، المحطة التي انتزعت فيها الهوية السورية استقلالها المفاهيمي. أدرك السوريون أن وطنهم لن يبنيه إلا أبناؤه، وأن هويتهم صُلبت بالتضحيات الذاتية.

استمر النضال ضد محاولات تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية، حيث ترافقت الثورات مع المفاوضات والعمل السياسي لتحقيق الاستقلال.

شارك الخبر: