سوريا
سياسة

لماذا تحتاج الحكومة إلى حزب سياسي لإدارة الرأي العام في المراحل الانتقالية؟

syria.tv٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٢ ص0 مشاهدة
لماذا تحتاج الحكومة إلى حزب سياسي لإدارة الرأي العام في المراحل الانتقالية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إدارة الرأي العام في المراحل الانتقالية: لماذا تحتاج الحكومة إلى حزب سياسي؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعدّ إدارة الرأي العام وظيفة سياسية جوهرية، فهي ترتبط بالعلاقة بين السلطة والمجتمع، وكيفية فهم المواطنين لقرارات الحكومة وتقييمهم لأداء الدولة، ومدى استعدادهم للتعاون مع السياسات العامة أو معارضتها. لا تقتصر ممارسة السلطة السياسية على القوانين والمؤسسات وأجهزة إنفاذ القانون فحسب، بل تتطلب أيضاً قبولاً اجتماعياً، والقدرة على شرح القرارات وإقناع المواطنين بها، والاستماع إلى مخاوفهم ومطالبهم.

تكتسب إدارة الرأي العام أهمية مضاعفة في الدول الخارجة من النزاعات والمراحل الانتقالية، حيث تسعى السلطات الجديدة لبناء الشرعية وإعادة الثقة بالمؤسسات. قد تمتلك الحكومة برنامجاً سياسياً أو اقتصادياً واضحاً، لكنها تفشل في تحقيق أهدافه إذا عجزت عن شرح سياساتها، أو تجاهلت مخاوف المجتمع، أو تركت المجال للشائعات والتفسيرات المتضاربة. إدارة الرأي العام هي مجموعة العمليات والوسائل التي تستخدمها المؤسسات السياسية لفهم اتجاهات المجتمع وتوقعاته، والتواصل معه، وشرح سياساتها، والتأثير في النقاش العام، والاستجابة للمواقف الشعبية التي قد تؤثر في شرعية الحكم أو فعالية الدولة. الإدارة الفعالة للرأي العام لا تعني أن تحظى الحكومة بتأييد الجميع، أو أن تتخلى عن قراراتها عند مواجهة اعتراض شعبي، بل تعني فهم أسباب الاعتراض، والتمييز بين النقد المبني على معلومات صحيحة، والمخاوف الناتجة عن سوء الفهم، والمصالح المتعارضة، وحملات التضليل، والتعامل مع كل حالة بما يناسبها.

لا تتوقف شرعية السلطة على امتلاكها الصلاحيات الدستورية أو قدرتها على فرض النظام، بل تتأثر بمدى اعتقاد المواطنين أن مؤسسات الدولة تستحق الطاعة وأن قراراتها مقبولة أو مبررة. وبهذا يعد الرأي العام أحد مصادر الشرعية السياسية. في المقابل، قد يتراكم الاستياء الشعبي ويترجم في أشكال مختلفة كالعزوف عن المشاركة، أو فقدان الثقة، أو احتجاجات مفاجئة. من الأخطاء التي تقع فيها بعض الحكومات النظر إلى الرأي العام كمرآة لنجاحها أو فشلها فقط، بدلاً من اعتباره مصدراً للمعلومات عن المجتمع. ارتفاع أسعار السلع، تراجع الخدمات، انتشار الشعور بالتمييز، أو تزايد الشكاوى من الفساد، قد تظهر آثارها السياسية قبل أن تتحول إلى أزمة وطنية. إذا امتلكت الحكومة وسائل موثوقة لرصد هذه المؤشرات، فقد تستطيع التدخل مبكراً. وبهذا المعنى، فالرأي العام ليس مجرد جمهور ينبغي مخاطبته، بل مصدر معلومات قد يكشف للحكومة ما تعجز التقارير الرسمية عن إظهاره.

يعد الرأي العام ساحة للصراع على تفسير الأحداث. في السياسة، لا يكفي معرفة ما حدث؛ إذ يتوقف جزء كبير من الموقف الشعبي على كيفية تفسير ما حدث، والجهة التي يثق بها المواطن في تقديم هذا التفسير. قد تتخذ الحكومة قراراً اقتصادياً صعباً وتقدمه كضرورة لتجنب أزمة أكبر، بينما تقدمه المعارضة كدليل على سوء الإدارة، وقد تفسره فئات شعبية كتمييز ضدها. القرار واحد، لكن الروايات المتنافسة حوله قد تنتج مواقف سياسية مختلفة. هذا لا يعني أن الحقيقة مجرد روايات متساوية، أو أن من ينجح في فرض روايته يكون محقاً، بل يعني أن الوقائع لا تصل إلى الجمهور دائماً بصورة مباشرة؛ إذ تمر عبر الإعلام، والخطاب السياسي، والتجارب الشخصية، والمصالح والانتماءات الاجتماعية. الحكومة التي تترك تفسير قراراتها للآخرين قد تفقد القدرة على توضيح دوافعها ونتائجها المتوقعة، حتى عندما تكون لديها مبررات موضوعية. في المقابل، فإن الحكومة التي تحاول احتكار تفسير الأحداث قد تفقد مصداقيتها عندما تتعارض روايتها مع الوقائع التي يختبرها الناس يومياً.

مع التعثرات الإدارية والعقبات القانونية والإرباك الاقتصادي الذي يميز المراحل الانتقالية في أغلب الأحيان، يشعر المواطن بنوع من عدم الرضا أو الضائقة التي تدفعه إلى تبني الخطاب المناهض للحكومة. وهذا الخطاب لا يلبث أن يصبح خطاب الأغلبية الساحقة نتيجة للضغط الذي تمارسه الأغلبية على الأصوات المعتدلة أو العقلانية التي تجد نفسها مضطرة إلى النفاق خوفاً من مواجهة أعداد كبيرة من الساخطين. في مثل هذه الحالة، يضطر بعض موظفي الدولة، حتى من هم في موقع المسؤولية، إلى إطلاق الاتهامات على غيرهم من المسؤولين وممالأة الجمهور.

يبدو أن الأمور في سوريا تسير على هذا النحو، فأعداد المنتقدين للسياسات العامة في تزايد مستمر، في حين يشعر المدافعون عن سياسات الحكومة بالحرج. معركة كسب الرأي العام تبدو كفتها راجحة لصالح أعداء الحكومة حتى الآن. في مثل هذه الحالات، يفترض أن يكون الطرف الحكومي هو الأقوى لما تمتلكه الحكومات من مصادر متعددة للتأثير. رغم ذلك، فضعف الخبرة والظروف الاقتصادية الصعبة ليسا السببين الوحيدين في فشل الجهات الحكومية في إدارة الرأي العام. لا يمكن إنكار المحاولات الحثيثة من قبل الجهات الحكومية لتلافي هذا التقصير واستخدامها لأغلب الوسائل والأساليب المتبعة في إدارة الرأي العام، إلا أن غياب الحزب السياسي يبقى هو العامل الأهم في ضعف الأداء الحكومي في هذا المجال. رغم الوظائف المتعددة للأحزاب السياسية، إلا أن أهمها في هذا السياق هو نقل نبض المجتمع إلى القيادة، وشرح البرنامج الحكومي والدفاع عن السياسات، وتنظيم المشاركة والتعبئة السياسية، والأهم من ذلك؛ إعداد الكوادر وتطوير الخطاب السياسي. من الملاحظ أن ضعف الخطاب السياسي من قبل بعض المسؤولين خلق الكثير من الأزمات التي نشبت حول تصريح يفتقر إلى اللباقة أو الدقة.

في مجمل الأحوال، عند الحديث عن نشأة الأحزاب، نجد أن بلدان العالم الثالث في أغلبها قد نشأت فيها الأحزاب بعد التحرر من الاستعمار. فالقوى الوطنية التي وصلت إلى السلطة وجدت نفسها مضطرة إلى تشكيل حزب سياسي لما له من دور حاسم في إدارة الحياة السياسية، سواء على مستوى إدارة الرأي العام، أم على مستوى تأطير الكوادر، أم على مستوى التعبئة السياسية وغيرها من الوظائف الحيوية التي يؤديها الحزب السياسي.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى إدارة الرأي العام باعتبارها وظيفة إعلامية تقتصر على تحسين صورة الحكومة أو الدفاع عن قراراتها، بل هي جزء أساسي من عملية الحكم نفسها، لأنها تحدد إلى حد بعيد قدرة السلطة على بناء الثقة، وتفسير سياساتها، واحتواء الاعتراضات، وتحويل التأييد الشعبي إلى مشاركة سياسية واعية. الحكومة التي لا تصغي إلى المجتمع قد تعجز عن فهم مشكلاته الحقيقية، والحكومة التي لا تحسن مخاطبته قد تفشل في إقناعه حتى عندما تكون قراراتها مبررة. في الحالة السورية، تزداد هذه المسألة أهمية في ظل التحديات الاقتصادية والإدارية والسياسية التي تواجه المرحلة الانتقالية. معالجة ضعف الأداء الحكومي لا تقتصر على تحسين الخدمات أو تطوير الخطاب الإعلامي، بل تتطلب بناء مؤسسات سياسية قادرة على تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهنا تبرز أهمية الحزب السياسي، لا بوصفه أداة للدفاع عن الحكومة مهما كانت أخطاؤها، بل باعتباره حلقة وصل تنقل مطالب المواطنين إلى صناع القرار، وتشرح السياسات العامة، وتعد الكوادر السياسية، وتتيح في الوقت نفسه نقد الأداء الحكومي وتصحيح مساره.

شارك الخبر: