الاتفاق البحري الليبي التركي: المصادقة تثير جدلاً وتصعيداً في شرق المتوسط


هذا الخبر بعنوان "الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا.. أبعاد المصادقة وخيارات القاهرة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أشعلت المصادقة المفاجئة من قبل مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعد سبع سنوات من الرفض وإلغاء قرار مقاطعة أنقرة، التنافس الجيوسياسي المتصاعد في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. هذا التحول اللافت نقل الخلافات الإقليمية إلى مرحلة جديدة من المواجهة؛ فبينما أعلن المتحدث باسم البرلمان الليبي، عبد الله بليحق، اعتماد الاتفاقية بالإجماع، واعتبرها المجلس الأعلى للدولة تطوراً إيجابياً لتوحيد الموقف الليبي بشأن الحقوق البحرية، سارعت القاهرة إلى إعلان رفضها القاطع، مؤكدةً بطلان المذكرة وعدم ترتب أي آثار قانونية عليها، وأنها تمس حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. في المقابل، رحبت أنقرة بالخطوة، حيث أكد وزير خارجيتها، هاكان فيدان، على المشروعية القانونية والسياسية الكاملة للاتفاقية، مع إدراكه لأسباب اعتراض بعض الدول المعنية.
نقطة تقاطع وأربعة أطراف:
وفقاً لقراءة جغرافية قدمها الصحفي صهيب العصا عبر شاشة الجزيرة التفاعلية، يتركز جوهر النزاع في نقطة التقاطع المعقدة للمياه الإقليمية والاقتصادية بين أربعة أطراف رئيسية: تركيا، مصر، اليونان، وليبيا، ضمن مسطح بحري تتنافس فيه دول أخرى مثل إسرائيل ولبنان وسوريا. وتتجلى عقدة الخلاف، حسب الخريطة التفاعلية، في "مثلث مائي" استراتيجي تدّعي القاهرة تبعيته لمياهها، بينما تعتبره السلطات الليبية جزءاً من منطقتها البحرية، وبنت اتفاقها مع الجانب التركي على هذا الأساس. وعلى المحور التركي اليوناني، يزداد المشهد تعقيداً؛ فبينما ترفض أثينا أي تحرك تركي أو ليبي في مساحات تعدّها خاضعة لسيادتها، يرسم الاتفاق خطاً حدودياً يقطع عملياً أي تواصل مائي مباشر بين مصر واليونان، في ذروة صراع محتدم تفرضه خرائط التنقيب عن الغاز ومناطق النفوذ في شرق المتوسط.
موقف مصري ثابت:
في قراءته لموقف القاهرة، يوضح محرر الشؤون المصرية في قناة الجزيرة، عبد الفتاح فايد، أن رفض القاهرة ظل ثابتاً منذ توقيع الاتفاقية عام 2019 في عهد حكومة فائز السراج، مستنداً إلى أن المذكرة تخالف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وتعتدي على الجرف القاري المصري، فضلاً عن غياب حدود بحرية مباشرة بين تركيا وليبيا لوجود قبرص واليونان، اللتين أبرمت مصر معهما اتفاقيات رسمية مودعة لدى الأمم المتحدة. ورغم أن الموقّعين دفعوا سابقاً بأن الاتفاقية تمنح مصر مساحات بحرية أوسع، فإن القاهرة تصر على أنها تمس حقوقها السيادية. ويلفت فايد إلى أن تصويت البرلمان الليبي برئاسته الجديدة -التي حلت مكان عقيلة صالح المعارض التاريخي للاتفاق- يعكس تحولاً جذرياً في التحالفات؛ إذ جاء هذا التطور بعد تقارب مصري مع حكومة طرابلس أثار هواجس معسكر الشرق الليبي التابع لخليفة حفتر. على الطرف الآخر، تنفي القاهرة ذلك وتؤكد أن انفتاحها يستهدف حماية وحدة التراب الليبي وإجراء الانتخابات العامة، في ظل صراع محتدم حول غاز المتوسط تبرز فيه اتهامات متزايدة لإسرائيل بالاستيلاء على ثروات وحقول المنطقة.
أبعاد استراتيجية:
على الصعيد الاستراتيجي، يفكك الخبير في سياسات الشرق الأوسط، الدكتور محجوب الزويري، مغزى الاتفاق على مستويين: داخلي، يمهد لتقريب طرفي الحكم في ليبيا لتأمين عوائد الطاقة لإعادة الإعمار قبل حوارات مرتقبة في لندن وليبيا. وإقليمي، يمثل تتويجاً لما تسميه أنقرة عقيدة "الوطن الأزرق" لتثبيت جرفها القاري في بحار إيجه والأسود والمتوسط، بعد جهود دبلوماسية واستخباراتية مكثفة واجتماعات دورية في إسطنبول وأنقرة. ويرى الزويري، خلال حديثه للجزيرة، أن الصراع يجسد نموذج حروب القرن الواحد والعشرين على الممرات والثروات، مشيراً إلى أن الرفض المصري "سياسي بامتياز". وفي ضوء هذا الواقع، يصعب الطعن في قانونية الاتفاقية المتسقة مع اتفاقية البحار، مما يضع القاهرة -حسب الزويري- أمام خيار جيوسياسي وحيد يتمثل في تعزيز تحالفاتها المضادة مع اليونان وقبرص وإسرائيل لتحجيم المكاسب التركية، لا سيما مع الغياب الأمريكي الذي بدا بأنه تخلٍ استراتيجي عن مساندة مصر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة