سوريا
اقتصاد

سوريا: سلسلة تعيينات اقتصادية تثير تساؤلات حول إعادة هيكلة الإدارة الحكومية

syria.tv٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٠ ص0 مشاهدة
سوريا: سلسلة تعيينات اقتصادية تثير تساؤلات حول إعادة هيكلة الإدارة الحكومية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تعيينات اقتصادية متلاحقة في سوريا.. إعادة هيكلة حكومية أم تغيير في الأسماء؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهدت سوريا خلال يومين سلسلة من التعيينات الاقتصادية المتلاحقة، مما أعاد فتح النقاش حول اتجاه الإدارة الحكومية في المرحلة المقبلة. فقد تم تعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بالتزامن مع تغييرات طالت قيادة الشركة السورية للبترول والصندوق السيادي. في 19 تشرين الأول، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 189 لعام 2026، الذي قضى بتعيين عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعد فصل هذه القطاعات عن وزارة الاقتصاد. جاء ذلك بعد يوم واحد من تعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول، وعمر سامر الحلبي مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي.

أثارت سرعة التغييرات وتوزعها على ثلاثة مفاصل اقتصادية أساسية أسئلة بشأن ما إذا كانت تعكس إعادة هيكلة أوسع للإدارة الاقتصادية، أم أنها تعديلات تنفيذية ستبقى آثارها مرتبطة بالسياسات نفسها وآليات اتخاذ القرار القائمة. وخلال حلقة من برنامج "سوريا اليوم"، ناقش أربعة ضيوف دلالات هذه التغييرات، واختلفت قراءاتهم بين من رأى في فصل القطاعات الاقتصادية خطوة نحو التخصص وتحديد المسؤوليات، ومن اعتبر أن الحكم على أثرها ما يزال مبكراً في ظل غياب تفاصيل معلنة بشأن الصلاحيات والموازنات وآليات التنسيق بين المؤسسات.

كان عبد الحنان يشغل منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة، وسبق أن تولى حقيبتي الصناعة والاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة تصريف الأعمال. ويرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن الفصل يمكن أن يكون إيجابياً بالنظر إلى اختلاف أهداف كل قطاع، معتبراً أن متطلبات حماية المستهلك تختلف عن أولويات السياسات الاقتصادية والصناعية. لكنه أشار إلى أن قراري الدمج سابقاً والفصل حالياً لم يرافقهما شرح كافٍ للأسباب الموجبة، معرباً عن أمله في أن تنعكس الهيكلية الجديدة بصورة أفضل على المستهلك.

من جانبه، رأى المحامي والمستشار القانوني همام عرابي أن الفصل قد يساعد على تحديد المسؤوليات الإدارية بصورة أوضح، ويحد من تداخل الصلاحيات أو تحميل جهة مسؤولية أخطاء جهة أخرى، إضافة إلى تسهيل الرقابة على أداء كل وزارة. وشدد عرابي على أن التقييم الحقيقي سيبقى مرتبطاً بالتطبيق، وليس بمجرد تغيير الهيكل التنظيمي.

في المقابل، اعتبر الباحث الاقتصادي محمد علبي أن التغيير يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات في مرحلته الحالية، ولا سيما بشأن كيفية إعادة توزيع الاختصاصات والموازنات والجهات التابعة للوزارة السابقة. وأشار علبي إلى أن فصل القطاعات يحتاج إلى وضوح بشأن الجهات التي انتقلت إلى كل وزارة، والاعتمادات المالية التي ستخصص لها، والعلاقة التي ستنشأ بينها وبين وزارة الاقتصاد. وحذر من أن الغموض المؤسسي قد يؤدي، إذا لم يُعالج، إلى تكرار الإجراءات وتداخل الصلاحيات وتأخير المشروعات، ما يرفع مستوى المخاطر أمام المستثمرين بدلاً من خفض البيروقراطية.

أما عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق علي كنعان، فرأى أن فصل القطاعات يمنح كل جهة مساحة أوسع للتخطيط ووضع سياسات خاصة بها، ولا سيما القطاع الصناعي بما يضمه من منشآت وشركات صغيرة ومتوسطة وحرفيين. وبحسب كنعان، فإن الصناعة تحتاج إلى وزارة متخصصة تتفرغ لدراسة مشكلات الصناعيين ووضع حلول لها، معتبراً أن دمج قطاعات واسعة تحت إدارة واحدة قد يحد من القدرة على التخطيط القطاعي التفصيلي. وأشار إلى أن الفصل يمكن أن يسمح مستقبلاً بوضع استراتيجية مستقلة للصناعة، وأخرى للتجارة الداخلية، ضمن سياسة اقتصادية عامة تنسق بين هذه القطاعات.

وبالنسبة إليه، فإن السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كان الدمج أو الفصل هو الخيار الأفضل، وإنما ما إذا كانت السياسات الاقتصادية نفسها ستتغير بما يحفز الإنتاج الوطني ويخفض الاعتماد على الاستيراد. لا تقتصر التغييرات على وزارة الصناعة والتجارة الداخلية. فماهر خليل الحسن، الذي عُيّن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول في 18 تشرين الأول بموجب المرسوم رقم 190، كان هو الآخر يشغل منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك. وفي اليوم نفسه، عُيّن عمر سامر الحلبي، بموجب المرسوم رقم 191، مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، وأضيف إلى عضوية المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، إلى جانب توليه رئاسة مجلس إدارة الصندوق السيادي.

يضع عبد الرزاق حبزة انعكاس القرارات على المستهلك معياراً أساسياً لتقييم الهيكل الجديد. ويرى أن تجربة الدمج السابقة لم تحقق، من وجهة نظره، نتائج إيجابية كافية بالنسبة إلى المستهلك، مستشهداً بارتفاع الأسعار والمشكلات التي شهدتها الأسواق، ولذلك يؤيد استقلال التجارة الداخلية وحماية المستهلك بصورة أكبر عن الملفات الاقتصادية الأخرى. لكن حبزة شدد في الوقت نفسه على أن الفصل الإداري لن تكون له قيمة عملية إذا لم يترافق مع سياسة واضحة بشأن الأسعار والدخل والدعم وحماية القدرة الشرائية.

شكل غياب التفاصيل حول أسباب إعادة الهيكلة أحد أكثر المحاور التي أثارت خلافاً بين المشاركين. وقال علبي إن المبررات التي يقدمها الخبراء تبقى في النهاية قراءات تحليلية، في حين أن الجهة الحكومية صاحبة القرار هي المعنية، وفق رأيه، بشرح أسباب تغيير الهيكل وتحديد الأهداف التي تريد تحقيقها. وأضاف أن الإعلان عن صلاحيات الوزارة الجديدة، وميزانيتها، ومؤشرات الأداء التي ستقاس على أساسها نتائجها، ضروري لتقييم جدوى القرار، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام التكهنات.

امتد النقاش من شكل الوزارات إلى المعايير التي تُعتمد في اختيار المسؤولين. ورأى كنعان أن المراحل الأولى التي تعقب الثورات تشهد عادة اعتماداً أكبر على الثقة والولاء السياسي، معتبراً أن ذلك لا يلغي الاستعانة بالخبرات والمستشارين مع انتقال الدولة نحو مرحلة أكثر استقراراً. في المقابل، رفض حبزة اعتبار الولاء معياراً كافياً للتعيين، وقال إن بناء الدولة يحتاج إلى الاستفادة من الكفاءات المتاحة، داعياً إلى دراسة أعمق للقرارات الإدارية وعدم ربط المناصب بالقرب السياسي وحده.

لا تقدم التعيينات الثلاثة، بمفردها، إجابة حاسمة عن هذا السؤال. فمن جهة، يشير فصل قطاعات الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك عن وزارة الاقتصاد، إلى جانب تغيير قيادة الشركة السورية للبترول والصندوق السيادي، إلى إعادة توزيع لمراكز الإدارة الاقتصادية ومنح ملفات محددة قيادات تنفيذية منفصلة. ومن جهة أخرى، أظهر النقاش أن الحكم على معنى هذه التغييرات يحتاج إلى خطوات لاحقة: تحديد دقيق للصلاحيات، نشر الهيكليات والموازنات، ملء الشواغر التي أحدثتها التعيينات، وضع آلية للتنسيق بين المؤسسات الاقتصادية، وربط كل ذلك بمؤشرات أداء يمكن قياسها. كما سيكون الأثر الفعلي لهذه التغييرات مرتبطاً بنتائج ملموسة: هل تتحسن بيئة الإنتاج؟ هل تنخفض كلفة الإجراءات أمام المستثمرين؟ هل يصبح توزيع المسؤوليات أكثر وضوحاً؟ وهل يلمس المستهلك فرقاً في الأسعار وحماية السوق ومستوى الخدمات؟ وبين من يرى الفصل خطوة ضرورية نحو التخصص، ومن يحذر من أن تغيير الهياكل من دون تغيير السياسات قد يعيد إنتاج المشكلات نفسها، يبقى اختبار المرحلة الجديدة مرتبطاً بما ستفعله المؤسسات بعد التعيينات، لا بالتعيينات وحدها.

شارك الخبر: