البنك الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري 10% في 2026: ما أسباب هذا التعافي المفاجئ؟


هذا الخبر بعنوان "البنك الدولي يتوقع نمو الاقتصاد السوري 10 % في 2026.. ما أسباب التعافي؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتوقع البنك الدولي تسارع نمو الاقتصاد السوري إلى ما بين 8 و10% خلال عام 2026، مسجلاً أعلى معدل نمو منذ عام 1996. يأتي هذا التعافي مدفوعاً بانتعاش قطاعات النفط والزراعة والبناء والسياحة، وتحسن النشاط الاقتصادي والتجاري، على الرغم من استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة. جاء ذلك في تقرير "آفاق الاقتصاد الكلي والفقر" الصادر في تشرين الأول 2026، والذي أشار إلى أن التعافي الاقتصادي في سوريا اكتسب زخماً خلال النصف الأول من العام الجاري، بدعم من أنشطة إعادة الإعمار، وتحسن الربط التجاري والمالي، وزيادة الإنتاج الزراعي والنفطي، إلى جانب تخفيف القيود الدولية على التعاملات الاقتصادية.
وأوضح التقرير أن معدل النمو الاقتصادي ارتفع من 0.8% عام 2024 إلى 3.6% عام 2025، قبل أن يتسارع بصورة كبيرة خلال العام الجاري، مع تحسن الطلب المحلي وتوسع النشاط في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية. ورغم هذه التوقعات، حذر البنك الدولي من أن التعافي لا يزال هشاً ومعرضاً لمخاطر أمنية واقتصادية داخلية وإقليمية، وأن تحسن مستويات معيشة السكان سيبقى محدوداً، نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم كفاية فرص العمل الجديدة لاستيعاب القوى العاملة.
المؤشرات التي يستند إليها توقع النمو:
استند البنك الدولي في توقعاته إلى تحسن واسع النطاق في النشاط الاقتصادي السوري خلال النصف الأول من عام 2026، مدعوماً بمؤشرات مرتبطة بالإنتاج الصناعي، وحركة النقل، والطلب المحلي. بلغ إنتاج الإسمنت نحو 4.1 ملايين طن خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقترباً من مستويات ما قبل الحرب، مما يشير إلى انتعاش قطاع البناء والطلب المرتبط بإعادة الإعمار. كما ارتفعت شدة الإضاءة الليلية بنسبة 8.4% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو مؤشر غير مباشر على النشاط الاقتصادي. وفي قطاع النقل، سجلت حركة الرحلات الجوية ارتفاعاً بنسبة 118% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري على أساس سنوي، مما يعكس تحسناً في حركة الطيران والاتصال الخارجي.
ساهم تحسن الهطل المطري في زيادة إنتاج القمح، وحققت سوريا الاكتفاء الذاتي منه للمرة الأولى منذ عام 2010. اعتبر تقرير البنك الدولي أن هذه التطورات، إلى جانب زيادة الإنتاج النفطي وتحسن الطلب المحلي وتوسع أنشطة إعادة الإعمار، شكلت المحركات الأساسية للتعافي الاقتصادي. ومع ذلك، أشار التقرير إلى غياب بيانات رسمية حديثة للناتج المحلي الإجمالي، وأن تقييم النشاط الاقتصادي يعتمد على مؤشرات دورية عالية التواتر وبيانات حكومية متاحة.
النفط والزراعة والبناء تقود التعافي:
يتوقع البنك الدولي أن يستفيد الاقتصاد السوري خلال عام 2026 من ارتفاع الإنتاج في قطاعي النفط والزراعة، إلى جانب زيادة نشاط البناء والسياحة، وانتعاش أوسع في أنشطة القطاع الخاص. ساعد تحسن الظروف الأمنية الداخلية خلال النصف الأول من العام على استعادة النشاط الاقتصادي تدريجياً، رغم استمرار توترات محلية ومخاطر مرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي. كما أسهم تخفيف معظم القيود الدولية المتبقية على سوريا، بما في ذلك رفع اسمها من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، في تحسين آفاق التجارة والاتصال بالنظام المالي الدولي وجذب الاستثمارات.
في قطاع الطاقة والنقل، أبرز الصراع الإقليمي إمكانية تحول سوريا إلى ممر بديل للطاقة والخدمات اللوجستية، وبدأت نقل مشتقات نفطية عراقية عبر الأراضي السورية لتصديرها من ميناء بانياس. واعتبر أن استكمال دمج شمال شرقي سوريا في المؤسسات الوطنية، إلى جانب تعزيز الاتصال المالي والتجاري مع دول المنطقة، يمكن أن يرفع مستويات الإنتاج والاستثمار ويوسع فرص تمويل إعادة الإعمار.
إيرادات حكومية أعلى وعجز في الموازنة:
أظهر التقرير تحسناً ملحوظاً في أداء الموازنة السورية خلال عام 2025، إذ انتقل رصيدها من عجز يعادل 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 إلى فائض محدود بلغ 0.2% عام 2025، نتيجة ضبط الإنفاق الحكومي. لكن هذا الاتجاه تغير خلال النصف الأول من عام 2026، مع ارتفاع الإنفاق العام بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات. بلغ الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 419 تريليون ليرة سورية، مدفوعاً بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام وارتفاع الإنفاق الاستثماري. في المقابل، تجاوزت الإيرادات الحكومية ضعف مستواها السابق، لتصل إلى نحو 309 تريليونات ليرة سورية، بدعم من إيرادات الجمارك والنفط والاتصالات. ونتيجة ارتفاع النفقات بوتيرة أسرع من الإيرادات، سجلت المالية العامة عجزاً بنحو 110 تريليونات ليرة سورية خلال النصف الأول من العام، يعادل 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
يتوقع البنك الدولي أن يبلغ عجز الموازنة العامة نحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2026، مع استمرار زيادة الإنفاق على الرواتب والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، بوتيرة تتجاوز تعافي الإيرادات الضريبية والجمركية والنفطية. كما رجح استمرار العجز التجاري عند مستويات مرتفعة، نتيجة زيادة الطلب على الواردات المرتبطة بإعادة الإعمار وارتفاع الاستهلاك المحلي.
التضخم يعود رغم النمو الاقتصادي:
بالتوازي مع تسارع النشاط الاقتصادي، حذر البنك الدولي من عودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد السوري، بعد تسجيل انخفاض في المستوى العام للأسعار خلال عام 2025. بلغ معدل التضخم السنوي 27.5% في نيسان 2026، متأثراً بارتفاع تكاليف الوقود والنقل والكهرباء والاستيراد. ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026 نحو 21.4%، مقارنة بانخفاض الأسعار بنسبة 27% خلال عام 2025. أشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، الناجم جزئياً عن التوترات والصراعات الإقليمية، يزيد تكاليف الإنتاج والاستيراد، وينعكس على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية. واقترح البنك الدولي استخدام جزء من الإيرادات الإضافية المحتملة للنفط في تمويل برامج دعم موجهة إلى الأسر الأكثر هشاشة، للحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة.
نمو اقتصادي مرتفع وتحسن محدود في مستويات الفقر:
رغم توقع تسجيل أعلى معدل نمو اقتصادي منذ ثلاثة عقود، يرجح البنك الدولي أن يكون تراجع معدلات الفقر في سوريا محدوداً خلال عام 2026. ستنخفض نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الدولي البالغ ثلاثة دولارات يومياً من 21.8% عام 2025 إلى 20.6% عام 2026. أما نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر البالغ 4.20 دولارات يومياً، فيُتوقع أن تتراجع من 47.8% إلى 45.8% خلال الفترة نفسها. يشير التقرير إلى أن ارتفاع النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسناً موازياً في دخول الأسر، ولا سيما مع استمرار ارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل وتراجع المساعدات الإنسانية. ارتفع الحد الأدنى للأجور من 7,500 ليرة سورية في تموز 2025 إلى 12,560 ليرة في أيار 2026، لكنه لا يزال يغطي أقل من نصف الحد الأدنى لسلة الإنفاق اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة. كما أن الانتشار الواسع للعمل غير المنظم يحد من استفادة شرائح كبيرة من العاملين من الزيادات المقررة في الأجور.
حذر التقرير من أن فرص العمل التي سيولدها التعافي الاقتصادي لن تكون كافية على الأرجح لاستيعاب الزيادة في القوى العاملة، خصوصاً مع استمرار عودة اللاجئين والنازحين، مما سيحد من التحسن المتوقع في دخول الأسر. وأضاف أن تراجع تغطية المساعدات الغذائية الإنسانية، نتيجة نقص التمويل، يزيد الضغوط على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للأسر، ولا سيما الأكثر فقراً.
عودة أكثر من 3.7 ملايين سوري وتأثيرها في الاقتصاد:
خصص البنك الدولي جانباً من تقريره لتأثير عودة اللاجئين والنازحين في مسار التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى أن الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 حتى نهاية تموز 2026 شهدت عودة أكثر من 1.75 مليون لاجئ ونحو 1.97 مليون نازح داخلي. تجاوز إجمالي العائدين 3.7 ملايين شخص. تتيح هذه العودة الواسعة فرصاً لتعزيز النشاط الاقتصادي، من خلال زيادة الطلب المحلي وتوسيع القوى العاملة وعودة مهارات ورؤوس أموال يمكن أن تسهم في الإنتاج والاستثمار. لكنها تفرض في المقابل ضغوطاً إضافية على المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة وسوق العمل، في ظل استمرار الدمار ونقص الوظائف وعدم تسوية العديد من قضايا حقوق الملكية. تمثل محدودية القدرات المؤسسية والإدارية للدولة، وضعف الإدارة المالية العامة والقطاع المالي، وعدم وضوح بعض الأطر التنظيمية، عوائق إضافية أمام تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
المخاطر التي قد تعرقل النمو المتوقع:
رغم المؤشرات الإيجابية، أكد البنك الدولي أن توقعاته للنمو الاقتصادي السوري خلال عام 2026 تخضع لدرجة مرتفعة من عدم اليقين، في ظل استمرار التحديات الداخلية والتوترات الإقليمية. أبرز المخاطر تجدد الاضطرابات الأمنية، وتصاعد الصراعات الإقليمية، وما قد يترتب عليها من تعطيل النشاط الاقتصادي وتأخير تدفقات التمويل الخارجي. كما أشار إلى أن محدودية الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، وضعف البنية التحتية، وغياب إطار فعال للسياسة النقدية، تجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات. في المقابل، يرى البنك الدولي أن نجاح جهود دمج شمال شرقي سوريا، وتحسين الاتصال المالي والتجاري مع الخارج، وتوسيع الإنتاج النفطي والزراعي، يمكن أن يدعم النمو والاستثمار ويعزز فرص تمويل إعادة الإعمار. يخلص تقرير البنك الدولي إلى أن استدامة التعافي الاقتصادي السوري لن تتوقف على زيادة الإنتاج والنشاط التجاري وحدهما، بل ستعتمد أيضاً على قدرة المؤسسات الحكومية على تحسين الخدمات وإدارة الموارد العامة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما يسمح بانتقال مكاسب النمو إلى مستويات معيشة السكان.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد