سوريا
اقتصاد

قراءة في الموازنة العامة: هل يمول الإنفاق العام مسار التعافي الاقتصادي أم يؤجل أزمة العجز؟

جريدة الوطن١ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٢٧ ص0 مشاهدة
قراءة في الموازنة العامة: هل يمول الإنفاق العام مسار التعافي الاقتصادي أم يؤجل أزمة العجز؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الإنفاق العام.. هل يمول التعافي أم يؤجل العجز؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أكد الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم في تصريحات لـ”لوطن” أن تقييم مستوى الإنفاق خلال عام 2026 يتطلب وضعه في إطار التحول الذي تمر به السياسة المالية. وأشار إلى أن الموازنة العامة في عام 2025 حققت فائضاً مالياً محدوداً للمرة الأولى منذ عام 1990، بينما انتقلت الدولة في عام 2026 نحو سياسة مالية أكثر توسعاً لتلبية الاحتياجات الملحة للاقتصاد السوري، والتي تشمل تحسين الخدمات العامة، ورفع الأجور، وتمويل الاستثمار، ودعم جهود إعادة الإعمار.

توسع الإنفاق.. ضرورة مشروطة

يوضح الدكتور صالح أشرم أن ارتفاع الإنفاق لا يعتبر أمراً سلبياً بحد ذاته، إذ يرى أنه في ظل اقتصاد أثقله الانكماش وتراجع البنية التحتية، قد يصبح هذا التوسع أمراً حتمياً لإرساء قاعدة للتعافي. ومع ذلك، يشدد على ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتركيزها على ضمان الاستقرار الاجتماعي والخدمات الأساسية، إضافة إلى الاستثمارات القادرة على رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. ونبه إلى أن دافع الضريبة عندما يفتقر إلى مردود خدمي واجتماعي يقابل ما يدفع، فسوف يتجه طبيعياً نحو التهرب الضريبي، مما يضعف الثقة المتبادلة بين الأفراد والحكومة.

معيار الإنفاق الاستثماري

يركز الخبير المالي على أهمية تقييم العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل مشروع استثماري كمعيار أساسي، مشيراً إلى أن المشروع الناجح هو الذي يسهم في رفع الإنتاجية، خفض تكاليف النشاط الاقتصادي، أو توسيع القاعدة الضريبية والإيرادية مستقبلاً. كما لفت الانتباه إلى أن النفقات المنفذة خلال النصف الأول من عام 2026 لا تغطي كامل الالتزامات المرتقبة على الخزينة طوال العام، نظراً لوقوع زيادات في الأجور والتعويضات وزيادات نوعية لبعض القطاعات تلتها لاحقاً زيادة في الرواتب والمعاشات، مما يعني ظهور الأثر المالي الكامل بوضوح أكبر خلال النصف الثاني، ولا سيما في الوزارات والمؤسسات التي شهدت زيادات نوعية. وبناءً على ذلك، يرى الدكتور صالح أشرم أن رقم النفقات البالغ 3.7 مليارات دولار لا يُمثل سقفاً نهائياً لنفقات عام 2026.

العجز.. التمويل أهم من الرقم

وفيما يتعلق بالعجز الذي أشار إليه وزير المالية، يرى الدكتور صالح أشرم ضرورة عدم النظر إلى العجز كمشكلة قائمة بذاتها، بيد أن بلوغ التنفيذ نحو 56% من العجز السنوي المخطط خلال ستة أشهر يستدعي رقابة دقيقة، لاسيما مع تصاعد الالتزامات المالية في النصف الثاني. وهنا تبرز أهمية طبيعة التمويل مقارنة بحجم العجز ذاته. وبيّن أن الاعتماد على أدوات تمويل قصيرة الأجل قد يكون مقبولاً كمرحلة انتقالية ومحدودة شريطة توجيهها نحو استثمارات منتجة ذات عائد واضح. وفي المقابل، يحذر من تحول التمويل قصير الأجل إلى وسيلة متكررة لتغطية النفقات الجارية الدائمة، لأن ذلك يرفع المخاطر بصورة كبيرة عبر تأجيل مشكلة العجز للمستقبل وعدم توليد قدرة حقيقية على السداد، مما يُدخل الخزينة في مخاطر إعادة التمويل وتكرار الإصدارات لسداد التزامات سابقة.

إيرادات النصف الثاني

وفي سياق متصل، أشار الدكتور صالح أشرم إلى توقعات وزارة المالية بتحسن الإيرادات خلال الفترة المقبلة تزامناً مع دخول مصادر إيرادات جديدة أو متأخرة حيز التنفيذ، مثل النفط وعقد “زين” للاتصالات، وهو ما يمنع إسقاط نتائج الأشهر الستة الأولى آلياً على العام بأكمله. ولكنه حذر في الوقت نفسه من بناء الاستدامة المالية على افتراض تحقق كل زيادة مستقبلية تلقائياً، مؤكداً أن الهدف الأساسي يكمن في بناء قاعدة إيرادات مستدامة ومتكررة ترتبط بنمو النشاط الاقتصادي وتوسع القاعدة الإنتاجية، بعيداً عن الاعتماد الحصري على الرسوم أو الإيرادات الاستثنائية.

واختتم الدكتور صالح أشرم بالتأكيد على أن المقارنة مع عام 2025 تظل بالغة الأهمية، حيث نجحت سورية خلاله في تسجيل أول فائض بالموازنة منذ عقود، لتنتقل في عام 2026 بوضوح نحو سياسة مالية توسعية، معتبراً أن التحول من الفائض إلى العجز ليس تراجعاً في الإدارة المالية بل قد يعكس الانتقال من تثبيت الانضباط المالي إلى تمويل مرحلة التعافي وإعادة البناء.

شارك الخبر: