الغابات: بين حماية البيئة وضرورات الاستثمار الاقتصادي


هذا الخبر بعنوان "الغابات بين أسوار الحماية وضغوط الاستثمار" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الغابات الحراجية مجرد مساحات خضراء تلطّف المناخ وتضفي جمالاً على الطبيعة، بل بات هناك اتجاه عالمي لاستثمارها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا التوجه يأتي بالتوازي مع التوسع في الاستثمارات الزراعية والصناعية والسياحية، وارتفاع قيمة الأراضي في المناطق المعمورة. ومع وقوع معظم الغابات الحراجية بالقرب من التجمعات السكانية أو بمحاذاتها، فإنها تُشكّل المجال الأقرب للتوسع العمراني والاستثماري. وقد لمسنا ذلك خلال جولاتنا الميدانية في بعض المناطق التركية، حيث تنتشر ضواحٍ سكنية ومنشآت سياحية ذات نماذج عمرانية جميلة أضفت على الغابات بُعداً جمالياً خاصاً، إلى جانب وجود منشآت صناعية متكاملة في بعض المواقع.
وإذا كنا نهدف إلى حماية الغابات من التعديات عبر إجراءات حماية مشددة، كمنع السكن أو الاستثمار، فإن التجربة أثبتت أن هذه الإجراءات وحدها لم توفر الحماية الكافية لغاباتنا خلال السنوات الماضية. فمن يسلك الطرق المؤدية من إدلب إلى اللاذقية يلاحظ أن القليل فقط من مواقع الغابات الطبيعية والاصطناعية لم تطله يد التعدي، سواء عبر الحرائق أو قطع الأشجار أو ضمّ أجزاء منها إلى الأراضي الزراعية المجاورة. ولهذا، تناول التعديل الأخير لقانون الحراج هذه المسألة عبر تقليص حرم الحراج من 500 متر إلى 15 متراً فقط، بما يتيح إقامة منشآت سياحية على هذا البعد.
غير أن السكان المجاورين وبعض المستثمرين ما زالوا ينتظرون حلولاً استثمارية متكاملة توفّر لهم سبل عيش أفضل، بعيداً عن أي تعدٍّ على الغابات. وبرأيي، فإن بعض أشكال استثمار الغابات، وإن كانت لا تزال مخالفة لنص القانون الحالي، إلا أنها لا تتعارض مع روحه، لا سيما أن التوسع العمراني والصناعي والزراعي يلتهم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عالية الإنتاجية. ومن الأفضل، عندما لا تتوفر أراضٍ صخرية أو أملاك دولة مناسبة، توجيه جزء من هذا التوسع نحو المناطق الحراجية وفق ضوابط دقيقة ودراسات علمية، وبما لا يتعارض مع حماية الغابات ولا يهدد استدامتها.
كيف نجعل الغابة مورداً اقتصادياً وبيئياً؟ لطالما تعاملنا مع الغابة كما لو أنها مريض في غرفة العناية المشددة: نمنع الاقتراب منها، ونمنع الاستثمار فيها، ونمنع البناء قربها، ثم نفاجأ بعد سنوات بأنها تعرضت للحرائق والاحتطاب والتعديات رغم كل هذا المنع. فالمفارقة أن الغابة المهملة ليست دائماً الغابة المحمية. وفي كثير من الأحيان، تصبح المساحات التي لا يشعر السكان بأي منفعة مباشرة منها أكثر عرضة للتعديات من المساحات التي ترتبط بمصالح اقتصادية وسياحية منظمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثمار إلى ذريعة لاجتثاث الغابة نفسها. فبين من يريد تحويل كل شجرة إلى مشروع استثماري، ومن يريد تحويل كل غابة إلى منطقة محرّمة على البشر، تضيع أحياناً فكرة الإدارة الرشيدة التي تجمع بين الحماية والتنمية. ولعل السؤال الأهم ليس: هل نحمي الغابة أم نستثمرها؟ بل: كيف نجعل الغابة مورداً اقتصادياً وبيئياً في آنٍ معاً؟ لأن الغابة التي لا تخدم الإنسان قد تتعرض للتعدي، والغابة التي تُستنزف لخدمة الإنسان قد تختفي. وبين هذين النقيضين تكمن السياسة الحراجية الناجحة التي ما زالت تبحث عن طريقها. (موقع أخبار سوريا الوطن)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد