تراجع المواليد في ألمانيا: بين قناعات الشباب وأعباء الأزمات الاقتصادية والحروب


هذا الخبر بعنوان "دويتشه فيله: من غلاء المعيشة إلى الحروب.. عوامل تدفع الألمان للتخلي عن الإنجاب" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد ألمانيا نقاشات متزايدة حول أسباب الانخفاض الحاد في معدلات المواليد، حيث يختار بعض الشباب الألماني العيش بدون أطفال عن قناعة، بينما تدفع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية آخرين إلى تأجيل أو التخلي عن خطط الإنجاب. يسلط تقرير لموقع “تاغسشاو” الألماني الضوء على قصة آني شتورلينغ، البالغة من العمر 31 عاماً، والتي تعيش مع زوجها وكلبتهما في ميونيخ، ولا تشعر بأن الأطفال ضروريون لحياتها السعيدة، مؤكدةً: “نحن ببساطة سعداء بحياتنا كما هي”. تعبر شتورلينغ بصراحة عبر إنستغرام عن عدم قدرتها على تخيل نفسها أماً في الوقت الحالي، وتواجه انتقادات وأسئلة مستمرة حول موعد الإنجاب، مع افتراض البعض بأنها لم تجد الشريك المناسب بعد. ترى شتورلينغ أن الإنجاب قرار واعٍ ومدروس، وتتبع هي وزوجها قاعدة بسيطة: “طالما لا يوجد جواب واضح بنعم، فسيبقى الجواب لا”.
شهدت ألمانيا عام 2025 ولادة نحو 654 ألف طفل فقط، وهو أدنى عدد منذ عام 1946، وبلغ معدل الخصوبة 1.32 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ عام 1997. وتشير بيانات المعهد الاتحادي لأبحاث السكان إلى أن الشباب الألمان الراغبين في تكوين أسر ما زالوا يتمنون إنجاب عدد أكبر من الأطفال مما يتحقق فعلياً، بمتوسط يبلغ 2.2 طفل. لكن متوسط الرغبة في الإنجاب تراجع عام 2025 للمرة الأولى منذ سنوات، إذ أعربت النساء عن رغبة في إنجاب 1.7 طفل في المتوسط، مقابل 1.6 طفل لدى الرجال. ويربط التقرير هذا التراجع بتزامن أزمات عدة منذ عام 2021، بينها جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وارتفاع معدلات التضخم. كما تلعب الإيجارات المرتفعة وعدم اليقين المهني والمخاوف من الحروب دوراً مهماً في قرارات الإنجاب، حيث أعرب 85 بالمئة من المشاركين في استطلاع للمعهد الاتحادي لأبحاث السكان عن مخاوف مرتبطة بالحروب.
وتشير الباحثة الاجتماعية داغمار مولر من المعهد الألماني للشباب إلى أن التوقعات المجتمعية تجاه الآباء والأمهات أصبحت مرتفعة للغاية، مما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بضرورة أن يكونوا مثاليين في دورهم. إلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية، تلعب التصورات الفردية للحياة دوراً متزايداً، حيث لم تعد الأمومة شرطاً أساسياً لتحقيق حياة مُرضية لبعض النساء. يحذر التقرير من أن انخفاض عدد المواليد ستكون له تداعيات بعيدة المدى على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية ورعاية المسنين، بسبب شيخوخة المجتمع وتراجع أعداد الأشخاص في سن العمل مقابل ارتفاع أعداد المتقاعدين. لذلك تتزايد المطالب بتحسين الدعم المقدم للأسر، سواء عبر إعانات الوالدين أو توسيع خدمات رعاية الأطفال.
تفيد دراسة لمعهد الاقتصاد الألماني في كولونيا بأن انخفاض المواليد في ألمانيا مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، ويعود السبب الرئيسي إلى تراجع عدد النساء في الفئة العمرية الأكثر إنجاباً (25-39 عاماً). من المتوقع أن ينخفض عدد النساء في هذه الفئة العمرية بنسبة 10.2 بالمئة بحلول عام 2035 مقارنة بعام 2025، مما يعني تراجع عدد الأزواج القادرين على إنجاب الأطفال. قد يكون هذا الاتجاه أكثر حدة إذا جاءت معدلات الهجرة الفعلية أقل من التوقعات. انخفض عدد المواليد عام 2025 بنحو 11 بالمئة مقارنة بعام 2015، مع تراجع أكبر في الولايات الشرقية (حوالي الثلث) وبين الأمهات الحاملات للجنسية الألمانية (أكثر من 40 بالمئة)، بينما تراوح التراجع في غرب ألمانيا بين 6 و8 بالمئة.
يدعو الخبير الاقتصادي فيدو غايس-تونه إلى تسهيل قرار الإنجاب أمام الأسر، خاصة فيما يتعلق بالطفل الثالث وما بعده، مؤكداً أن تحسين خدمات رعاية الأطفال والحفاظ على المزايا الأسرية عنصران أساسيان لمواجهة التراجع الديموغرافي. يتأخر تأسيس الأسر منذ عقود، ومع التقدم في السن تنخفض خصوبة النساء. توضح نينا روغنهوفر من مركز الهرمونات وعلاج العقم في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ أن عدد البويضات وجودتها يتراجعان مع العمر، وأن تجميد البويضات قد يحسن فرص الحمل لاحقاً ولكنه لا يوفر ضمانات، مشيرة إلى تزايد الطلب على هذا الخيار. يبلغ متوسط العمر عند الولادة الأولى نحو 30 عاماً. بينما تحاول بعض النساء الحفاظ على إمكانية الإنجاب، تطرح أخريات سؤالاً مختلفاً: هل يرغبن أصلاً في إنجاب أطفال؟ بالنسبة لآني شتورلينغ، القدرة على تقرير المصير أمر بالغ الأهمية، فهي لا تريد أن تصبح أماً لمجرد توقعات المجتمع. تدرك أن قرارها قد يسبب لها الندم يوماً ما، لكنها تقول: “نفضّل أن نندم على عدم إنجاب أطفال، بدلاً من أن نندم على إنجابهم”. قصتها تظهر جانباً آخر من النقاش حول انخفاض أعداد المواليد، حيث توجد فئة من الأشخاص تستطيع ببساطة تخيل حياة جيدة من دون أطفال.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد