سوريا
اقتصاد

تحذير باراك من الاستثمار في سوريا: هل هي مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟

الحل نت١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٢ م0 مشاهدة
تحذير باراك من الاستثمار في سوريا: هل هي مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تحذير باراك من الاستثمار في سوريا.. مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أعادت تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، حول صعوبة الاستثمار في البلاد، فتح النقاش حول البيئة الاقتصادية السورية وقدرتها على جذب رؤوس الأموال الأجنبية بعد سنوات من الحرب والعقوبات. وصف باراك العثور على مستثمر مستعد لدخول السوق السورية بأنه “شبه مستحيل” في الظروف الراهنة، مستنداً إلى ضعف القطاع المصرفي وتقلبات العملة والمخاطر الأمنية وطول فترة استرداد الاستثمارات. ومع ذلك، تكشف التطورات على الأرض عن مشهد أكثر تعقيداً يجمع بين تحديات هيكلية حقيقية ومحاولات فعلية لاستقطاب شركات دولية إلى قطاعات استراتيجية.

جاءت تصريحات باراك خلال مشاركته في فعالية “Global Perspectives: In Doha” التي نظمتها شبكة “سي إن إن” في العاصمة القطرية، بمشاركة مسؤولين وشخصيات دولية. لم يقتصر حديث المبعوث الأميركي على تشخيص العقبات، بل تطرق أيضاً إلى اتصالات أجراها مع شركات عالمية مثل إكسون موبيل، شيفرون، كونوكو فيليبس، وتوتال، لتشجيعها على دراسة فرص الاستثمار في سوريا، مما يشير إلى أن واشنطن لا تعتبر السوق السورية مغلقة بالكامل، بل تسعى لتهيئة الظروف لدخول الشركات.

وأوضح باراك أن الاستثمارات المطلوبة في قطاعي النفط والطاقة تصل إلى مليارات الدولارات، وقد تحتاج إلى فترة تتراوح بين 10 و15 عاماً قبل تحقيق عوائدها. هذه المدة تعكس حجم المخاطر المرتبطة بالمشروعات الاستراتيجية في بلد لا تزال بنيته التحتية تعاني آثار النزاع، وتواجه مؤسساته المالية صعوبات في تمويل التجارة والتحويلات وتسوية المدفوعات الدولية. وتتصل هذه المخاوف بواقع القطاع المصرفي السوري الذي يحتاج إلى تحديث أنظمته وتعزيز قدرته على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن معالجة مخاطر الامتثال والعقوبات السابقة والقيود التي تؤثر في قرارات الشركات والبنوك الأجنبية. كما تمثل هشاشة البيئة التنظيمية، وعدم وضوح القواعد الاستثمارية، والمخاطر الأمنية والسياسية عوامل إضافية ترفع كلفة الاستثمار وتدفع الشركات إلى التريث.

تكتسب هذه التحذيرات أهميتها من أن إعادة الإعمار لا تتعلق بمجرد إعلان اتفاقيات، بل بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى استثمارات ممولة ومشروعات قيد التنفيذ. قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يوضح اتساع الفجوة التمويلية. ومع ذلك، شهد عام 2026 تحركات لشركات دولية باتجاه قطاع الطاقة، مثل مذكرة تفاهم بين شيفرون وشركة قطرية لاستكشاف النفط والغاز، واتفاق بين توتال إنرجيز، كونوكو فيليبس، وقطر للطاقة لاستكشاف فرص الطاقة البحرية. وفي القطاع البري، وقعت شركة HKN الأميركية عقداً لتطوير سبعة حقول نفطية، وتوصلت كونوكو فيليبس ونوفاتيرا لاتفاقات لتطوير حقول الغاز. هذه التطورات تشير إلى وجود اهتمام دولي فعلي، لكنها لا تعني تحول جميع الاتفاقيات إلى استثمارات منفذة.

يشير تقرير مجموعة أكسفورد للأعمال عن الاقتصاد السوري لعام 2026 إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل مذكرات التفاهم والإعلانات الاستثمارية إلى مشروعات ممولة وقيد التشغيل. في المقابل، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن النشاط الاقتصادي السوري يشهد تعافياً متسارعاً، مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وتحسن الاندماج الإقليمي وإزالة عدد من العقوبات الدولية. واعتبر الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الجديدة تمثل عاملاً داعماً لآفاق النمو، مع التشديد على ضرورة تحسين الحوكمة وتقييم الالتزامات المالية.

يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن وصف الاستثمار في سوريا بأنه “شبه مستحيل” يجب فهمه في سياقه السياسي والاقتصادي، وأن الفرص لا تقتصر على القطاعات الاستراتيجية الكبرى، بل تمتد للمشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على تحريك الأسواق وتوفير فرص العمل. وأضاف أن التركيز على البنية التحتية والطاقة يجب ألا يأتي على حساب الزراعة والصناعة، باعتبارهما ركيزتين لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الاستيراد. ويتفق هذا مع تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي أكد أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على المشروعات الكبرى وحدها، وأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية تمثل عناصر أساسية لتوليد فرص العمل.

يطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام مسألة حماية الإنتاج المحلي باعتبارها جزءاً من معالجة الاختلالات النقدية والاقتصادية، ويرى أن زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي تمثل الغطاء الاقتصادي الحقيقي لليرة السورية، محذراً من أن فتح الأسواق أمام المستوردات دون توفير الحماية والظروف التنافسية المناسبة للمصانع والورش المحلية قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.

تتقاطع هذه النقاشات الاقتصادية مع رسائل سياسية أوسع حملتها تصريحات باراك، إذ تحدث أيضاً عن استعداد القيادة السورية لإقامة علاقة مختلفة مع إسرائيل والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة العداء. يوضح هذا التزامن أن واشنطن تتناول مستقبل سوريا ضمن مسارات متداخلة تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. تحمل تصريحات باراك تقييماً اقتصادياً مدعوماً بتحديات موثقة، وتأتي في سياق سياسي تسعى فيه واشنطن للتأثير في مسار التحولات السورية وشروط الانفتاح الاقتصادي. يبقى الاختبار الأهم أمام الحكومة السورية هو قدرتها على تحويل الاهتمام الدولي إلى تمويل فعلي ومشروعات منتجة، بالتوازي مع بناء قاعدة اقتصادية محلية تقلل الاعتماد على الاستثمارات الخارجية وحدها.

شارك الخبر: