شمال سوريا: مخيمات تُفرغ وعائلات عالقة بين العودة إلى الدمار والبقاء في العراء


هذا الخبر بعنوان "شمال سوريا.. مخيمات تُغلق وعائلات لا تجد طريقاً إلى الاستقرار" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ ما يقرب من تسع سنوات ونصف، يواصل صادق حمدو، أب لاثني عشر طفلاً، العيش مع أسرته في مخيم الجبل بالقرب من مدينة جرابلس في شمال سوريا. يعمل حمدو ممرضاً في مشفى جرابلس، وقد نزح من قريته الطيبة التي دمرتها الحرب. وبينما اختارت عائلات كثيرة العودة إلى مناطقها الأصلية، لا يزال حمدو وأسر أخرى عالقين في المخيم لعدم امتلاكهم منازل صالحة للسكن أو المال اللازم لإعادة الإعمار. كان المخيم يضم في السابق أكثر من 2200 عائلة، لكن العدد تقلص اليوم إلى حوالي 300 عائلة، تقيم غالبيتها في خيام ومساكن طينية، وفقاً لرواية حمدو. وفي ظل استمرار قوافل العودة وإغلاق المخيمات في شمال سوريا، تواجه العائلات خياراً صعباً بين البقاء في ظروف معيشية متدنية تفتقر للخدمات، أو العودة إلى مناطق دمرت الحرب منازلها وبنيتها التحتية بشكل كبير.
نقص حاد في المياه والخدمات الأساسية
يواجه سكان مخيم الجبل نقصاً مزمناً في المياه، حيث لا تصل إليهم إلا مرة كل يومين تقريباً ولمدة ساعة واحدة، حسبما أفاد حمدو، المعروف بـ"أبي غازي"، لـ"سوريا بلس". ولضمان تشغيل محطة المياه، تقوم العائلات بتجميع الأموال لشراء وقود المازوت وتحمل تكاليف الصيانة عند حدوث أعطال. وتشكل هذه النفقات عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل، خاصة الأرامل والعائلات التي فقدت معيلها، في ظل محدودية المساعدات الغذائية وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية. وعلى الرغم من هذه الظروف القاسية، تجد العديد من العائلات نفسها غير قادرة على المغادرة، إما بسبب فقدان منازلها خلال الحرب أو لعدم امتلاكها المال الكافي لإصلاح ما تبقى منها. ويرى أبو غازي أن العودة إلى قرية تفتقر للمياه والخدمات وفرص العمل قد تضع أسرته في ظروف أصعب من حياتها الحالية في المخيم.
إغلاق ثلاثة مخيمات ومئات العائلات تنتظر
شهدت منطقة جرابلس إغلاق ثلاثة مخيمات هي "البنيان 1" و"الكوش" و"عطاء عين العبيد"، وفقاً لمعلومات ميدانية حصلت عليها "سوريا بلس". وأوضح الدكتور حمد حمادي، رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل في جرابلس، أن الدائرة أشرفت على ست قوافل عودة طوعية نقلت 462 عائلة تضم 2367 شخصاً، مما أدى إلى إغلاق ثلاثة مخيمات بعد إخلائها وتفكيك بنيتها التحتية. وأشار حمادي إلى صعوبات تواجه حصر أعداد العائلات المقيمة في مخيمات المنطقة، مؤكداً أن مخيم الجبل وحده يضم حوالي 300 عائلة، تشكل الخيام والمساكن الطينية نحو 90% من مساكنه. وقُدّر عدد العائلات التي لا تزال تعيش في الخيام بحوالي 500 إلى 600 عائلة موزعة على عدة مخيمات، بينما تقيم عائلات أخرى في تجمعات سكنية إسمنتية. وتتنوع مساكن المخيمات، حيث تضم مخيمات الكوسة غرفاً ومساكن إسمنتية أرضية، بينما تتألف مساكن مخيمات عين العبيب من شقق أرضية محيطة بساحات، ولا تزال عائلات في مخيم الزلاوي ومخيمات أخرى تعيش في الخيام والمساكن الطينية. وتمنح خطة العودة الأولوية للمخيمات القماشية، على أن تشمل المراحل اللاحقة التجمعات السكنية البديلة والإسمنتية. وأوضح حمادي أن العائلات الراغبة في العودة تسجل أسماءها لدى الدائرة، التي تنسق مع المفوضية والجهات الشريكة لتأمين النقل والمساعدات اللازمة. ويواجه العائدون تحديات كبيرة تشمل دمار المنازل، ونقص المياه والكهرباء، والحاجة إلى تأهيل المدارس والمراكز الصحية، بالإضافة إلى محدودية فرص العمل.
قصص إنسانية في ظل المعاناة
في قرية الطيبة جنوب مدينة الباب، بالقرب من المحطة الحرارية، يعيش عبد الإله النايف، البالغ من العمر 75 عاماً، مع أفراد من أسرته في منزل تم بناؤه بمساعدة متبرعين. لكن هذا المنزل لم ينهِ معاناتهم، فالنايف يعاني أمراضاً مرتبطة بالتقدم في العمر، ويضطر لجمع مواد من القمامة لتأمين بعض احتياجات أسرته، بالإضافة إلى ما يتلقاه من مساعدات. زوجته فقدت إحدى قدميها بسبب مضاعفات مرض السكري، وابنته خضعت لعمليات جراحية انتهت ببتر إحدى قدميها أيضاً. ويعيش معهم أحفاد النايف، أبناء اثنين من أولاده قُتلا خلال الحرب، إضافة إلى زوجة أحدهما الأرملة. وعلى الرغم من وجود مأوى، تواجه العائلة صعوبة في الحصول على المياه والعلاج. ويشير النايف إلى أن القرية تعاني شحاً في المياه، وأن الحصول على بعض الخدمات الطبية يتطلب الانتقال إلى الباب أو السفيرة أو حلب، لمسافات قد تصل إلى عشرين كيلومتراً أو أكثر. وبالنسبة لأسرة تضم مسناً مريضاً وامرأتين فقدتا إحدى قدميهما، تشكل تكاليف النقل والعلاج عبئاً إضافياً على دخل محدود.
تواصل قوافل العودة نحو مستقبل غير مؤكد
في 25 تشرين الأول، غادرت 108 عائلات مخيمي الرسم القديم والرسم الجديد في منطقة منبج بريف حلب، متجهة إلى مناطقها الأصلية في محافظتي حلب وإدلب، قبل الإعلان عن إغلاق المخيمين. وفي اليوم نفسه، انطلقت قافلة من مخيمات ريف إدلب إلى عدد من المحافظات السورية، ضمت 220 عائلة وفقاً لوكالة "سانا"، أو نحو 233 عائلة بحسب الدفاع المدني السوري. واستمرت عمليات العودة خلال الأيام التالية، مع الإعلان عن إغلاق مخيمات إضافية في جرابلس، ومغادرة 229 عائلة من مخيمات ريف إدلب في 29 تشرين الأول. تأتي هذه التحركات ضمن خطة حكومية تستهدف إنهاء الاعتماد على المخيمات بحلول أيلول 2027.
141 ألف أسرة لا تزال في المخيمات
في أيلول 2026، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن حوالي 141 ألف أسرة لا تزال تقيم في المخيمات السورية، على الرغم من إغلاق أكثر من 200 مخيم وعودة نحو 20% من سكانها منذ تشكيل اللجنة المعنية. وتعمل الحكومة على تنفيذ رؤية "سوريا بلا مخيمات"، في إطار خطة لتأهيل المناطق المتضررة وإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية. وأشار الصالح إلى أن حوالي 8% من الأسر المقيمة في المخيمات لا تملك منزلاً أو أرضاً، وأن الحلول المطروحة لها تشمل فرص العمل ومساعدات الانتقال والإيجار المؤقت. وفي ريف إدلب، لا تزال حوالي ألف عائلة تقيم في مخيم المدينة المنورة، من أصل 1700 عائلة كانت تعيش فيه سابقاً، وفقاً لمعلومات نشرتها وكالة "سانا" في 26 تشرين الأول. ويمنع دمار المنازل وارتفاع تكاليف ترميمها الكثير من هذه الأسر من العودة. وتراجع عدد المخيمات في إدلب من 1145 إلى 631 مخيماً، بحسب تصريحات رسمية، مع استمرار العمل على تأمين احتياجات العائلات المتبقية ودعم الترميم والخدمات.
العودة المؤجلة
في مخيم الجبل، لا يزال أبو غازي يعيش مع أسرته بعد عقد تقريباً من النزوح. غادرت عائلات كثيرة المخيم، لكن منزله في قرية الطيبة لم يصبح بعد مكاناً آمناً للعودة إليه. وفي القرية نفسها، حصل عبد الإله النايف على منزل بفضل المتبرعين، لكنه لا يزال يواجه المرض والفقر وصعوبة تأمين المياه والعلاج. وبين أسرة تنتظر منزلاً وأخرى وجدت منزلاً دون أن تجد فيه مقومات حياة مستقرة، تستمر قوافل العودة وإغلاق المخيمات في شمال سوريا. أما بالنسبة للعائلات التي بقيت، فلا يزال السؤال الأول هو نفسه: أين ستعيش عندما تغادر المخيم؟
منوعات
منوعات
منوعات
سياسة