سوريا
ثقافة

من سيدني إلى طرطوس: الأديبة أمان السيد تتجاوز الجغرافيا بالكلمات وتفتح أسئلة الكتابة

syriahomenews٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٢ ص0 مشاهدة
من سيدني إلى طرطوس: الأديبة أمان السيد تتجاوز الجغرافيا بالكلمات وتفتح أسئلة الكتابة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من سيدني إلى طرطوس… حيث تعبر القصيدةُ حدودَ الجغرافيا وتفتح الكتابةُ أسئلتَها" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: أحلام حسين غانم

ليست كل المسافات تُقاس بالخرائط؛ فهناك مسافات تختصرها القصيدة، وتلغيها الذاكرة، ويعيد وصلها الوجدان الذي يدرك أن للإنسان لغة أعمق من حدود المكان. من سيدني، حيث يلامس البحر الأفق البعيد، وصلت الأديبة أمان السيد إلى طرطوس، حاملةً أسئلة المنفى وذاكرة الأمكنة ودهشة اللغة، لتلتقي قرّاءها في مدينةٍ تُحسن الإصغاء إلى البحر وتحويل الموج إلى حكاية.

شهدت قاعة اتحاد الكتّاب العرب في طرطوس، يوم الأربعاء، لقاءً ثقافيًا مميزًا، بحضورٍ نوعي ونخبوي من المهتمين بالشعر والأدب والثقافة، احتفاءً بتجربة أدبية تتقاطع فيها الكتابة مع أسئلة الإنسان والوجود، وتتجاور فيها رهافة الشعر مع طاقة السرد.

د. عبير خالد يحيى… قراءة تستنطق روح النص

قدّمت اللقاء الناقدة الدكتورة عبير يحيى، بقراءة نقدية عميقة لتجربة أمان السيد، تجاوزت التعريف بالمنجز إلى استكناه العوالم الوجدانية والفكرية في نصوصها. يتداخل في هذه النصوص المنفى مع الذاكرة، ويغدو المكان أكثر من جغرافيا، واللغة أكثر من أداة تعبير؛ إنها وسيلة لاستعادة الذات ومقاومة التلاشي، وفضاء إنساني تلتقي فيه التجربة الفردية بالوجع الجماعي.

تجد هذه الرؤية صداها في مجموعة الشاعرة أمان السيد «النهر أنت يا حبيبي.. وأنا الأفعوان»، حيث لا تبدو سيدني مجرد مدينة بعيدة تسكنها الشاعرة، بل كائنًا حيًا يشارك الإنسان وحدته، ويمنح العابرين فسحة للانتماء. تقول أمان السيد: «في سيدني الرصيف حنون على ضفافه يتصادق المبعثرون والتائهون والعارفون ويندى الحديث والابتهال». هنا، يتحرر الرصيف من جموده ليصبح حضنًا إنسانيًا، وتتحول المدينة من فضاء خارجي إلى علاقة وجدانية؛ فالمبعثرون والتائهون والعارفون يجدون على ضفافه ألفة لا تسأل عن أصول العابرين.

تواصل الشاعرة بناء عالمها البصري، فتمنح معمار المدينة لغة من الإيماء والدهشة. وعن أوبرا سيدني تكتب: «في أوبرا هاوس: القِبابُ قبعات تنحني إجلالًا وخفرًا، لألقِ ماءِ التَّوَلُّه يتدفق». هنا، لا تكتفي الصورة بوصف المعلم المعماري، بل تعيد خلقه شعريًا؛ فالقباب تنحني، والماء يتدفق، والمكان يدخل في طقس من التوق والافتتان. إنها عين الشاعرة التي تتجاوز المرئي إلى ما يختبئ خلفه، وتمنح الأشياء حياة أخرى لا تُدركها إلا اللغة.

لكن المدينة التي تتسع للبوح لا تلغي وحشة المنفى؛ فخلف دفء الأرصفة وألق القباب، ثمة حزن يثقل الروح، وحقائب تحمل ما لا تستطيع المسافات محوه. تقول الشاعرة: «موسيقى الجاز تراكضني سريعًا سريعًا.. وتحتمي بالمطر في ظلال الأشجار … الغابات تشتدُّ بالسواد، تهوى أن تنافس المنفيين في حزنهم، وأوجاعهم المتراكمة في حقائب السفر حديث الموسيقى يهطل على قلوب المنفيين مطرًا، ودمًا وغربة». هنا، تتجاوز الموسيقى وظيفتها الجمالية لتصبح شريكًا في تجربة المنفى؛ فالغابات تنافس المنفيين أحزانهم، وتتداخل عناصر الطبيعة مع الجرح الإنساني، ليغدو المطر لغة الوجع، والموسيقى اعترافًا بما تعجز الكلمات المباشرة عن قوله.

تلتقي هذه الشواهد الشعرية مع المحاور التي أضاءتها الدكتورة عبير يحيى: الوجدان، والمنفى، والذاكرة، واللغة الإنسانية. فأمان السيد لا تكتب عن الغربة بوصفها انتقالًا من بلد لآخر، بل بوصفها اختبارًا للانتماء، ومواجهة بين الذات وما تحتفظ به من ذاكرة، وما يفرضه المكان الجديد من أسئلة.

من الإصغاء إلى الحوار… أسئلة تتجاوز حدود النص

لم يتوقف اللقاء عند حدود القراءات الشعرية والقصصية، بل اتسع إلى حوار مفتوح شارك فيه الحضور بأسئلة لامست جوهر الكتابة ومصير الأدب في عالم تتغير فيه وسائل التعبير، وتتداخل فيه الحدود بين الإبداع البشري والإنتاج الرقمي، وتتسارع فيه الخوارزميات على حساب التمهل الذي تحتاجه القراءة العميقة.

من بين الأسئلة الموجهة إلى الأديبة أمان السيد: «أستاذة أمان، في زمنٍ لم تَعُدْ فيه الكتابةُ حكرًا على الكاتبِ، ولا القراءةُ فعلًا معزولًا عن الخوارزميّاتِ، ولا الثقافةُ محكومةً بحدودِ الجغرافيا، كيف يمكنُ للأديبِ أن يحميَ فرادةَ صوتِه من الذوبانِ في هذا التشابهِ العالميِّ؟ وهل أصبحَ التحدّي الحقيقيُّ للكاتبِ اليومَ أن يجدَ مَن يقرأُه، أم أن يكتبَ ما يستحقُّ أن يُقرأَ في عالمٍ تتكاثرُ فيه النصوصُ وتتراجعُ فيه الدهشةُ؟ فما الذي يجبُ ألّا يتغيّرَ في الكتابةِ كي تبقى فنًّا، لا مجرّدَ إنتاجٍ للكلماتِ؟»

هذا السؤال لم يكن استفسارًا عابرًا عن واقع الكتابة، بل انتقالًا من تجربة أدبية إلى مساءلة المشهد الثقافي بأكمله؛ فمن فرادة الصوت إلى مسؤولية الكاتب، ومن وفرة النصوص إلى قيمة النص، ومن سلطة الخوارزميات إلى قدرة الإنسان على ابتكار ما لا يمكن اختزاله في أنماط متشابهة. إنه سؤال يضع الأدب أمام امتحان مزدوج: كيف يستفيد من تحوّلات العصر دون أن يفقد خصوصيته؟ وكيف يحافظ على دهشته في زمن أصبحت فيه الكلمات متاحة بكثرة، بينما يظل الأثر العميق نادرًا؟

فليست المسألة أن يكتب الأديب أكثر، بل أن يمنح الكتابة ضرورة داخلية تجعلها جديرة بالوجود؛ وأن يترك في اللغة شيئًا من تجربته التي لا تُستعار، ومن رؤيته التي لا تُختصر، ومن إنسانيته التي لا تستطيع الخوارزمية أن تعيشها نيابة عنه. وهكذا منح الحوار اللقاء بُعدًا يتجاوز الاحتفاء بمنجز أدبي بعينه، ليجعل من الحضور شركاء في التفكير، ومن السؤال مساحة مفتوحة لاختبار معنى الإبداع في عالم متحوّل.

الكتابة بوصفها عودة إلى الإنسان، منحت الأديبة أمان السيد الحضور فرصة للإنصات إلى تعدّد الأصوات في تجربتها، وإلى المنطقة الملتبسة بين ما يعيشه الإنسان وما يستطيع البوح به، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لاستعادة ما يتعرض للانكسار، وإلى محاولة لمنح المهمشين والمنفيين حقهم في الحضور والصوت. لقد أضاء التقديم النقدي للدكتورة عبير يحيى ملامح التجربة، فيما جاءت القراءات لتضع النصوص أمام اختبار التلقي الحي، ثم جاء الحوار ليكمل الدائرة، رابطًا بين النص وصاحبه، وبين التجربة الفردية والأسئلة الثقافية الكبرى.

هنا تكمن قيمة اللقاءات الأدبية الحقيقية؛ فهي لا تكتفي بمنح المبدع منبرًا للكلام، بل تفتح أمامه وأمام جمهوره مجالًا للتفكير المتبادل، وتمنح الأدب فرصة للخروج من عزلته إلى فضاء الحوار والمساءلة. كل التقدير لرئيس فرع طرطوس لاتحاد الكتّاب العرب على رعايته هذا اللقاء، وللدكتورة عبير يحيى على تقديمها النقدي، وللأديبة أمان السيد التي عبرت المسافة من سيدني إلى طرطوس محمّلة بذاكرة الأمكنة وأسئلة الإنسان، وللحضور الكريم الذي أسهم بأسئلته ومداخلاته في إثراء هذا الموعد الثقافي.

إلى لقاء آخر في ربوع سورية

في ختام اللقاء، ودّع الأدباء الأديبة أمان السيد، على أمل تجدد هذا الموعد الثقافي في ربوع وطنها الغالي سورية؛ فبعض اللقاءات لا تنتهي عند لحظة الوداع، بل تترك في الروح وعدًا بعودة أجمل، وفي الذاكرة مكانًا ينتظر اكتمال الحكاية.

مهما امتدت المسافات بين سيدني وطرطوس، تبقى سورية القصيدة الأولى التي لا تنتهي، والأرض التي تحفظ في طينها الأول حكاية الروح، وفي بحرها ذاكرة البدايات؛ فمهما ابتعدت بها الجغرافيا، تظل جذورها تُصغي إلى نداء الوطن، كأن في القلب بوصلة لا تخطئ طريقها إلى الأرض التي أنبتت الحرف، ومنحت الصوت ملامحه الأولى.

فربما لا يكون المنفى الابتعاد عن المكان، بل حمل الأمكنة في داخلنا، والبحث عن لغة تتسع لكل ما تركناه وراءنا. وربما لا تكون أزمة الكتابة في قلة القرّاء، بل في قدرتها على قول شيء يستحق الإصغاء إليه، وإيقاظ دهشة لم تستطع وفرة الكلمات إطفاءها. فما الذي يبقى من الأدب، إذا لم يجعله نرى العالم، والإنسان، وحتى أنفسنا، على نحو مختلف؟

شارك الخبر: