الكراهية ليست قدراً: دروس من الأوريستيا إلى واقع سوريا


هذا الخبر بعنوان "الكراهية ليست قدراً.. من "الأوريستيا" إلى سوريا" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تمنحنا بعض الحكايات الأدبية إحساساً بأن ما نعيشه اليوم عرفه البشر قبل آلاف السنين، وأن أسئلة الحاضر وجدت صداها في كتابات الأولين. في هذا السياق، نتوقف عند معالجة إسخيلوس لقضايا الصراع وتجلياته في الثأر والكراهية، وخاصة في ثلاثيته الشهيرة "الأوريستيا"، التي تتناول حكاية عائلة تتوالى فيها الجرائم والانتقامات.
تبدأ القصة حين يعود أوريستيس إلى موطنه، فيجد أن أباه أجاممنون قد قُتل على يد زوجته كليتمنسترا، أم أوريستيس نفسه. لم تكن هذه الجريمة منفصلة عما سبقها، فقد ضحّى أجاممنون بابنته إيفيجينيا، شقيقة أوريستيس، استجابة لمقتضيات الحرب. رأت كليتمنسترا في قتل زوجها انتقاماً لابنتها، ثم رأى أوريستيس في قتل أمه واجباً يفرضه عليه الثأر لأبيه.
إن الانتقام لا يبدأ من فراغ. قد تكون وراءه جريمة لم يُحاسب مرتكبها، أو شعور متراكم بالإهانة والظلم، أو اقتناع بأن المؤسسات عاجزة عن إنصاف الضحية. هكذا تجد كل جريمة ما يبررها في جريمة سابقة، ويجد كل طرف في مظلوميته ما يدفعه إلى الانتقام. لكن قتل أوريستيس لأمه لا يضع نهاية للحكاية، إذ تبدأ ربات الغضب، وهن القوى التي تتولى معاقبة من يقتل أقاربه، بمطاردته، فيجد نفسه عالقاً في دائرة لا يستطيع الخروج منها. وفي الأجزاء الثلاثة، "أجاممنون" و"حاملات القرابين" و"ربات الغضب"، يتواصل هذا المسار حتى تتدخل الإلهة أثينا وتنشئ محكمة للنظر في قضية أوريستيس. هناك، ينتقل الفصل في النزاع من دائرة الثأر إلى مؤسسة قضائية، وتنتهي المحاكمة بتعادل الأصوات وتبرئة أوريستيس وفق الآلية التي يقررها النص.
وهكذا يطرح إسخيلوس سؤالاً يتجاوز مصير أبطال حكايته: كيف يستطيع مجتمع أن يخرج من منطق الانتقام الذي يجعل كل مظلومية مقدمة لمظلومية جديدة؟ هذه المسألة تتجاوز زمن إسخيلوس وتعبر الأزمنة كلها لتصل إلينا.
إن الانتقام لا يبدأ من فراغ. قد تكون وراءه جريمة لم يُحاسب مرتكبها، أو شعور متراكم بالإهانة والظلم، أو اقتناع بأن المؤسسات عاجزة عن إنصاف الضحية. وفي مثل هذه الظروف، يبدو الثأر للبعض استعادة للحق والكرامة. وحين تغيب العدالة، يسهل أن يحتل الانتقام مكانها، وأن يُقدَّم باعتباره الطريق الوحيد المتبقي إلى الإنصاف.
الطريق من المظلومية إلى الانتقام محفوف بالتحولات داخل الإنسان. يبدأ مطالباً بحقه، لكن الرغبة في معاقبة من ظلمه قد تستحوذ عليه، ثم تتسع دائرة العقاب لتشمل أشخاصاً لا علاقة لهم بالجريمة. ومع مرور الوقت، قد تتحول المطالبة المحددة بالحق إلى هوس بالعثور على عدو وإثبات الولاء لجماعة تحمل جرحاً مشتركاً. ويظن الإنسان الكاره أنه يكره من أجل قضيته، ثم قد يكتشف، وقد لا يكتشف، أنه بات أسيراً لشعوره الذي يأكله من الداخل، ويدفعه إلى قراءة الوقائع من زاوية واحدة، بحيث يصبح كل حدث جديد دليلاً إضافياً على أن العداء لا بد أن يستمر. وقد يظل متعلقاً بخصمه حتى حين يغيب الخصم عن حياته، لأن العلاقة به انتقلت من الواقع إلى الذاكرة، وصارت جزءاً من الطريقة التي يرى بها نفسه والعالم. هكذا تتحول الكراهية من استجابة لأذى وقع في الماضي إلى طريقة لفهم الحاضر وتحديد المواقف من الآخرين.
هل ظهر للقارئ أني أحدثه عن سوريا؟ هنا، لا تنقصنا الأسباب التي يمكن أن تغذي الكراهية. فعلى امتداد عقود، تراكمت المظالم تحت الاستبداد، ثم جاءت سنوات الحرب بما حملته من قتل واعتقال وتعذيب وتهجير وفقدان للأحبة، وما تركته من خوف وانقسامات وذاكرة مثقلة بالخسارات. فبات لكل عائلة حكايتها، ولكل ضحية حقها في معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف، ولكل جريمة مسؤولية ينبغي تحديدها. وليس من المعقول أن نطالب الناس بالتخلي عن غضبهم فيما تبقى حقوقهم معلقة، أو أن ندعوهم إلى التسامح مع الجناة قبل أن تبدأ المحاسبة. لكن الاعتراف بالمظالم لا يعني أن نتركها تتحول إلى تفويض مفتوح بالكراهية. فالمسؤولية عن الجريمة تقع على مرتكبيها، وتُحدَّد بالأدلة والتحقيق والمحاكمة، لا بالانتماء إلى جماعة أو طائفة أو منطقة. وحين تنتقل التهمة من الفاعل إلى الجماعة التي ينتمي إليها، تتسع دائرة الظلم، ويصبح من الممكن إعادة إنتاج المأساة تحت شعار الانتصار لضحاياها. عندها لا تعود الكراهية مجرد أثر من آثار العنف، وإنما تصبح أحد الشروط التي تسمح باستمراره.
الدرس الذي نستطيع استعادته من "الأوريستيا" يقول إن الخروج من دائرة الثأر يحتاج إلى أكثر من قرار فردي بالتسامح. لذلك، لا بد من الفصل بين العدالة والانتقام. العدالة تسعى إلى كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المتورطين وفق القانون. أما الانتقام فيميل إلى إبقاء العقاب مفتوحاً، ويصعب عليه الاكتفاء بتحديد المسؤولية حين تصبح الكراهية جزءاً من الهوية والذاكرة. ولا يمكن بناء سلام مستقر على الإفلات من العقاب، كما لا يمكن بناء مجتمع عادل على تعميم الذنب وتوارث العداء.
الدرس الذي نستطيع استعادته من "الأوريستيا" يقول إن الخروج من دائرة الثأر يحتاج إلى أكثر من قرار فردي بالتسامح. إنه يحتاج إلى عدالة موثوقة، وإلى مؤسسات تستطيع أن تحاسب من ارتكبوا الجرائم، وإلى قواعد تمنع تحويل المظالم إلى أسباب لجرائم جديدة. ولا يعني ذلك محو الذاكرة أو مساواة الضحية بالجلاد أو مطالبة الناس بالتنازل عن حقوقهم. المقصود هو إيجاد طريقة لمواجهة الماضي من دون أن نجعله حكماً أبدياً على المستقبل.
على مدى عقود، كانت منابع الكراهية مفتوحة أمام السوريين، وكل واحد يستطيع أن يغرف منها ما يشاء، وبالكمية التي يريدها. لكن وفرة هذه المنابع لا تعني أن استهلاكها واجب، ولا أن الكراهية قدر لا مفر منه. يمكننا أن نحفظ الذاكرة، ونطالب بالمحاسبة، ونرفض طمس الجرائم، من دون أن نمنح العداء سلطة تحدد لنا من نكون، ومن نكره، وكيف ينبغي أن يعيش أبناؤنا. اقتصدوا في استخدام الكراهية. وهذا الطلب دعوة إلى حماية العدالة، من أن تتحول إلى ثأر لا ينتهي. فالكراهية تأكل أصحابها من الداخل، أما المحاسبة العادلة، فبوسعها أن تضع حداً لدائرة الدم، وتمنح المجتمع فرصة كي يعيش مع ذاكرته من دون أن يظل أسيرها.
اقتصاد
عاجل
عاجل
عاجل