فلسفة اللاعنف في سوريا: بين الواقع المؤلم والتطلعات العادلة


هذا الخبر بعنوان "السوريون وفلسفة اللاعنف" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستند كتاب "فلسفة اللاعنف" لديفيد مكرينولدز إلى تجارب الحركة السلمية وتأثيرات شخصيات مثل غاندي وكينغ، مع التركيز على الفلسفات المناوئة للعنف كاستراتيجية فعالة تتطلب التنظيم والأهداف الواضحة. في السياق السوري، كان الشعب مؤهلاً لتبني فلسفة اللاعنف، لكن النظام المخلوع استغل العنف المنظم، مما أدى إلى تفكك المجتمع المدني وصعوبة تنظيم حركات لاعنفية فعالة. تعاني سوريا من الفقر المدقع رغم مواردها الغنية، مما يعكس العنف البنيوي ويبرز التحديات الاقتصادية كعامل ضغط إضافي على المجتمع.
لست بصدد عرض كتاب فلسفة اللاعنف، للكاتب ديفيد مكرينولدز؛ علماً أنه من الكتب المهمة، وهو الذي فتح لي باب الكتابة في هذا الموضوع. فالكاتب يستند على تجربته في الحركة السلمية، وقراءته العميقة لحركة المهاتما غاندي، ومارتن لوثر كينغ الابن، ومعرفته الوثيقة بالإنجيل والفلسفات المناوئة للعنف، ولم يتطرق للعنف المنظم الذي تقوده الدول العظمى تحت مظلة الأمم المتحدة في العصر الحديث، ولا عجب في ذلك؛ فالكاتب ابن زمنه.
قبل أن يتحول اللاعنف إلى فلسفة، شهدت ساحات العنف الكثير من الحركات المناوئة لها بطريقة سلمية؛ بعض تلك الحركات أخذت حقها من الدراسة، والكثير منها طواه النسيان، لأن مساحته الجغرافية أو البشرية كانت محدودة، أو نائية في زمانها أو مكانها، أو لمحدودية أثرها في التاريخ. أو أن الإعلام لم يصل إليها، ولم تحظ باهتمامه. أيّا يكن السبب فإن تلك الحركات السلمية التي أخمدت بالعنف وماتت في ضمير التاريخ هي عار على الإنسانية.
باعتبار اللاعنف أحد خيارات الصراع، وليس أهمها إلا بالنسبة لفئة أقل من قليلة، حيث أن تمجيد النصر يستند على البيانات العسكرية، وليس على التطلعات الإنسانية؛ فالتصورات والأفكار التي أتعبت صياغتها الفلاسفة، لم تُمتَحن على محك الواقع بما يكفي لتتجنب البشرية المفاجآت المتلاحقة على مسرح الحياة. فالكائن البشري ليس مؤهلاً بفطرته على احترام وصيانة حقوق الآخرين، ذلك السلوك مكتسب (والظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ، ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ)، وهذه العلة قد تكون الخوف، وقد تكون الرحمة، وقد تكون المعرفة، وقد تكون وقد تكون... وبما أنه لا يوجد واقع دائم سوى واقع التغيير، فإن النزاع هو القاعدة. والنزاع يقتضي وجود طرفين أو عدة أطراف؛ أحدهما سينال صفة المنتصر، والآخر سيحصل على صفة المهزوم. وليس بين الحالتين سوى ألم المسافة. من هنا جاءت مقولة ديفيد مكرينولدز: "تغيير الواقع لا يمكن أن يتم بدون ألم، لكننا في المقابل لن نتحول إلى ممجدين للألم حتى لو كان ذلك باسم العدالة".
وقد غيّر السوريون واقعهم، وتألموا أكثر مما ينبغي، وصار من حقهم أن يحلموا بالعدالة الانتقالية. هذه عناوين، رؤوس أقلام، محاور، مفاصل. في المتن شيء آخر أكثر إغراء، في المتن هناك المطامع، النفوذ، السيطرة. في المتن هناك الانتقام، والذي هو أكثر عمقاً في النفس من الرحمة.
ثمة مغالطات كثيرة في فهم اللاعنف، والمغالطة الأساسية في فهم تلك الفلسفة على أنها عجز وضعف، وليس استراتيجية فعالة للوصول إلى الحل. ومن المؤسف أنه قد توفر لترويج العنف وسائل إعلام ومناهج مدرسية ومرويات شفهية ومكتوبة، فتحول إلى ثقافة عامة. وبقي اللاعنف بين طيات كتاب هنا وكتاب هناك، ينتظر قارئاً حصيفاً يأخذ بتلك الفلسفة إلى مراحات تأثيرها، لا بل أصبح ضرباً من المثالية التي تثير السخرية. علماً أن فلسفة اللاعنف تأخذ باعتبارها كل الفئات الاجتماعية، فهي ليست بطريركية، ولا جندرية، ويمكن للكبار والصغار، الضعفاء والأقوياء، النساء والرجال، أن يعملوا جنباً إلى جنب تحت رايتها، فهو المكان المفتوح لكل المؤمنين بها، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو عقائدهم أو طوائفهم أو سنهم، على العكس من العنف الذي يتصف ببطركيته، ويأخذ باعتباره لياقتهم البدنية كأحد العوامل المهمة لخوض الصراع. وبذلك فإن هذه النقطة لصالح اللاعنف، إلا أن مشكلته –حين تقتضي الضرورة– يجب أن يكون منظماً، وأهدافه استراتيجية، فثورة غاندي بقدر ما كانت سلمية كانت حركة منظمة، أهدافها واضحة لكل الشعب الهندي، ولم تقتصر على أنها لم تحمل السلاح فهذا يتناقض مع جوهرها، بل استعملت سلاح الإضراب، ومقاطعة البضائع البريطانية، ودولاب الغزل، ومسيرة الملح التي انتهت بإطلاق سراح غاندي من السجن، ومفاوضات المائدة المستديرة الثانية مع الحاكم البريطاني اللورد إيروين، وهناك توثيقات مهمة لانتصارات لاعنفية عديدة في أوروبا ضد النازية، ففي النرويج حصل إضراب ناجح للمعلمين ضد تدريس الإيديولوجيا النازية، وفي بلغاريا حالت المقاومة المدنية العفوية دون إرسال اليهود إلى خارج البلاد، وغير ذلك.
أما اللاعنف الأهلي، فسوريا كانت خير مثال عليه. إذ بالكاد كنّا نسمع بجريمة قتل هنا أو هناك. أي أن الشعب السوري كان مؤهلاً بطبيعته لتبني تلك الفلسفة. الفارق بين تلك الحركات اللاعنفية، والتي تستند إلى برامج، وتنظيم، وأهداف استراتيجية، وبين اللاعنف الذي كان سائداً بين الناس في سوريا، أن التدجين الذي قام به النظام المخلوع خلال نصف قرن، أو ما يسمى بالعنف المنظم، العنف القائم على البطش، العنف الذي يأخذ البريء بجريرة المذنب؛ أجبر الناس على إيثار السلامة، فحيدوا أنفسهم ولم ينشغلوا بالعداوات، وحاولوا أن يستمروا ولو بأدنى شكل من أشكال الحياة. هذه السلمية ليست ناتجة عن قوتها المنظمة، بل عن ضعفها، وتفككها، وعدم امتلاكها لأسباب القوة المادية، أو التضامن والتكاتف والتعاضد. ولهذا مرجعيته التاريخية والاجتماعية، فالنظام المخلوع كان قد منع منعاً باتاً كل الأساليب السلمية المتبعة عالمياً ضد العنف (الاحتجاجات والتظاهرات والاعتصامات) لأن هذه الأساليب في أغلب الأحيان تقوم بها المؤسسات الوسيطة (الاتحادات والنقابات والجمعيات) أو ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني. هذه المؤسسات، منذ عام 1974، بدأ الاشتغال على تفريغها من وظائفها الحقيقية. وفي عام 1979 بذريعة مواجهة الإخوان المسلمين، وضعت السلطة يدها على تلك المؤسسات بشكل نهائي، ففقدت استقلاليتها، وأصبحت تابعة لسلطة النظام ككل المؤسسات والدوائر الحكومية.
وهذا النقطة يجيب عنها ديفيد مكرينولدز إذ يقول: "مفهوم التغير الاجتماعي العميق برمته لا يقوم به إلا من هو بحاجة إليه، لم يحرر البريطانيون الهند، بل الهنود فعلوا ذلك. البيض في الجنوب لم يضعوا حدا لجيم كراو، بل السود فعلوا... نحن من نفعل ذلك. وإلا فلن يُفعل". وهذا ما فعله السوريون أيضاً ولكن بثمن أكبر من كل التوقعات، وزمن تجاوز حدود الصبر. سوريا الآن، أو من بقي من السوريين، والذين يقدر عددهم بأكثر من 20 مليون نسمة، والغلبة للإناث، وكبار السن، لم تحمهم تضحياتهم، وركود حراكهم الاجتماعي من خطر العوز والفاقة وانكسار الأحلام، فوجدوا أنفسهم ضحية عنف جديد؛ عنف بطله الفقر. كيف حدث هذا وموسم القمح لعام 2026يقدّر بنحو 2,7مليون طن وإنتاجها من الشعير1,2مليون طن، ما يضعها في المركز الثالث عربياً بعد العراق والجزائر، وإنتاجها السنوي من الذرة الصفراء 200 ألف طن، وإنتاجها من القطن 100 ألف طن، والفواكه والخضروات والثروة الحيوانية، والنفط والغاز؟ ورغم ذلك فإن تقارير الأمم المتحدة، وبرنامج الأغذية العالمي World Food Programme تتحدث عن نسب الفقر المرعبة!. العنف، ليس عنف القتال وحسب، في أغلب الأحيان يكون العنف نتيجة، والضغط الاقتصادي الذي يعيشه الناس أصبح فوق الاحتمال. إذ أن أغلب الدراسات الاجتماعية تعتبر الفقر شكلاً من أشكال العنف البنيوي.
سياسة
سياسة
ثقافة
سياسة