التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا: أبعاد استراتيجية وانتخابية تتجاوز الحدود الأمنية


هذا الخبر بعنوان "ما وراء انتهاكات الاحتلال.. قراءة في الأهداف بعيدة المدى" نشر أولاً على موقع halabtodaytv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد جنوب سوريا تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا مستمرًا، تتجاوز أبعاده حدود المواجهة الأمنية التقليدية، مما يثير تساؤلات حول المرحلة الانتقالية في سوريا وارتباط هذا التصعيد بالتحولات الإقليمية والضغوط السياسية الداخلية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو. في الأيام الأخيرة، كثفت القوات الإسرائيلية توغلاتها في ريفي القنيطرة ودرعا، ونفذت عمليات تجريف واسعة للأراضي الزراعية وأقامت حواجز عسكرية، في خرق متكرر لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974. وبحسب شهادات السكان المحليين، جرفت القوات الإسرائيلية مساحات شاسعة من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون والتفاح والكرز، ومنعت المزارعين والرعاة من الوصول إلى أراضيهم. وقد وصفت وزارة الخارجية السورية هذه التحركات بأنها “انتهاك لسيادة سوريا وسلامة أراضيها”، داعية المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بالامتثال للقانون الدولي.
ما وراء الحواجز: يرى الخبير العسكري السوري، العميد مصطفى فرحات، أن هذه التوغلات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الإقليمية والمرحلة السورية الحالية. ويشير إلى أن التكرار المستمر للتوغلات وإقامة الحواجز يطرح احتمالًا بأن إسرائيل لا تكتفي بمنع التهديدات على حدودها، بل تسعى لتوسيع هامش حركتها داخل الأراضي السورية وفرض قواعد اشتباك جديدة تحد من سيادة الدولة السورية. وأضاف أن التجربة الإسرائيلية، وخاصة في ظل قيادة نتنياهو المتشددة، تظهر أن الوقائع الميدانية غالبًا ما تسبق التسويات السياسية، وأن ما يبدأ كإجراء استثنائي قد يتحول إلى أمر واقع يصعب تغييره. وبالتالي، فإن تكلفة هذه التوغلات لا تقاس فقط بالمساحات التي تدخلها القوات الإسرائيلية، بل بما يمكن أن تؤسسه من قواعد جديدة تحد من حرية الدولة السورية في إدارة حدودها وأراضيها.
البعد الانتخابي: التوقيت ليس بريئًا: يرى العميد فرحات أن البعد العسكري ليس سوى جانب واحد من الصورة، وأن هذه التطورات يجب وضعها في سياق الوضع السياسي الذي يواجهه بنيامين نتنياهو، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فنتنياهو يواجه تحديات متعددة تتعلق بالحرب في غزة، والجبهة اللبنانية، والمواجهة مع إيران، بالإضافة إلى الجدل الداخلي حول كلفة السياسات الأمنية. في مثل هذه الظروف، تصبح صورة القيادة القادرة على المبادرة وفرض الوقائع الأمنية عنصرًا مهمًا في المنافسة السياسية الداخلية. وقد أعلن نتنياهو نفسه أن إسرائيل يجب أن تنجز “مهامها الرئيسية على كل الجبهات” خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. من هنا، يمكن طرح فرضية أن التصعيد في جنوب سوريا قد يتيح لنتنياهو تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي كقائد لا يكتفي بالدفاع عن الحدود، بل يعمل على توسيع المجال الأمني الإسرائيلي. ومع ذلك، يجب التمييز بين الاستفادة السياسية من التصعيد واتخاذ قرار لأغراض انتخابية بحتة، فالتزامن بين الانتخابات والتحركات العسكرية لا يكفي وحده لإثبات أن الدافع الانتخابي هو المحرك الأساسي، لكنه يجعل العامل الداخلي جزءًا مهمًا من تفسير التوقيت والسلوك الإسرائيلي.
خطر الانقسام: السيناريو الأكثر تعقيدًا: يرى الخبير العسكري السوري أن المسألة الأبعد أثرًا تتعلق باحتمالات انتقال الضغط الإسرائيلي من التدخل العسكري المباشر إلى استثمار الانقسامات المحلية في جنوب سوريا. وقد أشارت تقارير إعلامية حديثة إلى احتمال تحرك ميليشيات مرتبطة بالهجري بدعم إسرائيلي ضد مواقع تابعة للسوريين. وإذا ثبتت صحة هذه التقارير، فإننا أمام تطور يتجاوز التوغلات التقليدية، وينقل المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا تتداخل فيه القوة العسكرية الخارجية مع التوازنات الداخلية السورية. ويؤكد على ضرورة الفصل الواضح بين المجتمع الدرزي السوري كمكون أصيل، وبين مواقف الفصائل المسلحة أو القيادات السياسية، فلا يجوز استخدام حقوق أبناء السويداء ومخاوفهم كمدخل لتبرير التدخل الإسرائيلي أو فرض واقع ينتقص من سيادة سوريا. وأي محاولة لاستثمار الانقسامات الاجتماعية والسياسية في الجنوب ستكون خطيرة على مستقبل الدولة السورية، لأنها قد تؤدي إلى مواجهات موضعية وتفتح الباب أمام نشوء مناطق نفوذ متعارضة تضعف قدرة الدولة على توحيد القرار الأمني والعسكري.
معادلة السيادة: ما بين القوة والاحتواء: في المقابل، لا يرى فرحات أنه ينبغي لسوريا أن تتعامل مع هذه التحديات بمنطق الأمن الصرف، فحماية السيادة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء علاقة متينة بين الدولة والمجتمع، وفتح قنوات الحوار مع المرجعيات المحلية، وضمان حقوق المواطنين، وتجنب السياسات التي قد تدفع بعض الأطراف للبحث عن حماية خارجية. وتضيف أن الدولة التي تريد إغلاق أبواب التدخل الخارجي تحتاج إلى أن تكون حاضرة سياسيًا وخدميًا وأمنيًا، وأن يشعر مواطنوها بأن مؤسسات الدولة تمثلهم وتحميهم. وعلى المستوى الدبلوماسي، “تحتاج دمشق إلى توظيف المسارات العربية والدولية للضغط من أجل وقف التوغلات واحترام اتفاق فك الاشتباك، مع توثيق الانتهاكات وتحويلها إلى ملف سياسي وقانوني مستمر، بدلاً من ترك الوقائع تتراكم حتى تصبح جزءًا من معادلة يصعب تغييرها”.
في المحصلة، يقف الجنوب السوري أمام اختبار يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. فالاحتلال يسعى لضمان مصالحه الأمنية، وقد يجد في المرحلة الانتقالية السورية فرصة لفرض ترتيبات تخدم أهدافه. فيما يتيح اقتراب الانتخابات الإسرائيلية احتمال توظيف التحركات الأمنية في تعزيز صورة القيادة السياسية. لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا ليس التوغلات الإسرائيلية وحدها، بل تحولها إلى مدخل لتفجير صراعات داخلية تمنح الخارج فرصًا إضافية للتدخل. فالمعركة الحقيقية في الجنوب ليست معركة حدود وسيادة فحسب، بل معركة الحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع، ومنع تحويل التنوع السوري إلى خطوط تماس. وكلما ازدادت قدرة الدولة السورية على احتواء خلافاتها الداخلية وتعزيز شرعيتها الوطنية وتوحيد قرارها السيادي، تقلصت المساحة التي يمكن لأي قوى خارجية أن تستثمرها لفرض إرادتها على الواقع السوري. وتسجل نشاطات الاحتلال وانتهاكاته توسعًا تدريجيًا في العمق والمساحة، حيث بات يدخل بآلياته ويقيم حواجز مؤقتة في ريفي درعا ودمشق، كما يعتقل شبانًا من المنطقة بشكل مستمر، رغم وجود قوات فصل أممية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة