يؤكد القاضي المتقاعد حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية، على الحاجة الملحة لإصلاح تشريعي شامل في سوريا، يتضمن مسارين أساسيين: تعديل أو إلغاء القوانين القديمة التي لم تعد صالحة أو تتعارض مع مبادئ دولة القانون والحقوق، وإصدار تشريعات جديدة لمواكبة متطلبات بناء الدولة وتنظيم الحياة السياسية وحماية الحقوق. ويتطلب هذا الإصلاح مبادرة الوزارات لإعداد مشروعات القوانين وإحالتها لمجلس الشعب، ووضع المجلس لخطة تشريعية واضحة تحدد الأولويات وجدولاً زمنياً. ويشير حمادة إلى وجود فجوة بين احتياجات البلاد التشريعية وما تم إنجازه، مستشهداً بتعديل مادة تتعلق بصلاحيات وزير التربية، مما يستدعي وضع أولويات واضحة للقضايا الأكثر إلحاحاً.
يقترح حمادة تصنيف الأولويات التشريعية المقترحة لمجلس الشعب السوري ضمن محاور رئيسية، تبدأ بالتشريعات التي تؤسس لدولة القانون وتضمن الحقوق الأساسية وتزيل العوائق أمام الإصلاح السياسي والمؤسسي والاقتصادي.
المحور الأول: القوانين المنظمة للحياة السياسية والعامة
يهدف هذا المحور إلى تمكين المواطنين من المشاركة في إدارة شؤون بلدهم وإقامة حياة سياسية تعددية قائمة على المواطنة وسيادة القانون. وتشمل القوانين المقترحة:
- قانون الأحزاب السياسية: ينظم تأسيس الأحزاب وعملها على أسس وطنية وديمقراطية، ويكفل حرية تشكيلها وممارسة نشاطها، ويحظر قيامها على أسس طائفية أو عرقية أو فئوية، ويمنع امتلاكها أجنحة عسكرية، ويضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب.
- قانون الانتخابات العامة: يضمن حرية الاختيار ونزاهة الانتخابات وشفافيتها، وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، ويحدد قواعد واضحة للترشح والدعاية والتمويل والرقابة.
- قانون الإعلام والمطبوعات: يكفل حرية الصحافة والإعلام، وحق الوصول إلى المعلومات، وحرية نقد أداء السلطات العامة، ويحمي الصحفيين من الملاحقة التعسفية، مع ضمان استقلال الإعلام وعدم تحوله لأداة دعاية.
المحور الثاني: القوانين المنظمة للمجالس التمثيلية والهيئات المنتخبة
يركز هذا المحور على القوانين التي تضمن التمثيل الحقيقي للمواطنين واستقلال المؤسسات المنتخبة وخضوعها للمساءلة.
- قانون مجلس الشعب: يقترح إعادة النظر في بنية السلطة التشريعية واعتماد نظام المجلسين (مجلس تمثيلي منتخب ومجلس تشريعي ثانٍ يشكل بالكفاءة والخبرة)، مع دراسة دستورية ومؤسسية دقيقة.
- قانون الإدارة المحلية: يكرس انتخاب المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية، ويحدد اختصاصاتها وعلاقتها بالسلطة المركزية، ويضمن استقلالها الإداري والمالي، مع اقتراح إلغاء منصب المحافظ.
- قوانين النقابات والاتحادات: تضمن انتخاب مجالس الفروع والمجالس المركزية والمكاتب التنفيذية، واستقلال النقابات عن السلطة التنفيذية والأحزاب، وحق الأعضاء في الترشح والانتخاب والمساءلة.
ملاحظة بشأن العزل السياسي: يجب أن تعالج القوانين مسألة العزل السياسي كتدبير استثنائي ومؤقت يخضع لمعايير وضوابط قانونية واضحة، مع ضمان حق الاعتراض والمراجعة القضائية.
المحور الثالث: القوانين المنظمة للمؤسسات السيادية وأجهزة الدولة
تهدف هذه التشريعات إلى تنظيم السلطات العامة، وتحديد اختصاصاتها، وضمان استقلالها وخضوعها للقانون.
- قانون السلطة القضائية: يضمن استقلال القضاء إدارياً ومالياً ووظيفياً، ويكرس مبدأ عدم جواز التدخل في شؤون القضاة، مع اقتراح إنشاء هيئات قضائية فرعية.
- قانون الجيش والقوات المسلحة: ينظم بناء القوات المسلحة على أساس وطني واحترافي، ويكرس خضوعها للسلطة المدنية، ويحظر تدخلها في الحياة السياسية.
- قانون قوى الأمن الداخلي: يعيد تنظيم أجهزة الأمن والشرطة على أساس حماية المواطنين وصون الحقوق والحريات، مع تحديد اختصاصاتها وحدود سلطاتها، وإخضاع أعمالها للرقابة القضائية.
- قانون السلك الدبلوماسي: ينظم تعيين السفراء والدبلوماسيين وفق معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ويحد من المحاصصة والولاءات الشخصية والحزبية.
المحور الرابع: مراجعة التشريعات التي كرّست الاستبداد أو أهدرت الضمانات القانونية
يشمل هذا المحور مراجعة التشريعات التي منحت حصانات استثنائية، أو قيدت الحريات، أو أضعفت المساواة أمام القانون.
- التشريعات التي منحت حصانات أو امتيازات استثنائية: مثل المرسوم التشريعي رقم (40) لعام 1966، والمرسوم التشريعي رقم (69) لعام 2008 وتعديلاته، والمرسوم التشريعي رقم (64) لعام 2008.
- التشريعات التي استُخدمت لتجريم الخصوم السياسيين أو تقييد الحريات: مثل القانون رقم (49) لعام 1980، والقانون رقم (6) لعام 1964، والقانون رقم (53) لعام 1979.
- التشريعات المتعلقة بالمحاكم الاستثنائية وضمانات المحاكمة العادلة: مثل المرسوم التشريعي رقم (109) لعام 1968، والقانون رقم (22) لعام 2012.
- التشريعات التي قيّدت التظاهر والعمل المدني: مثل المرسوم التشريعي رقم (54) لعام 2011.
- التشريعات التي رتبت عقوبات إدارية أو مالية استثنائية: مثل المرسوم التشريعي رقم (20) لعام 2012.
- التشريعات المتعلقة بمكافحة الإرهاب ومحاكمته: مثل القانون رقم (19) لعام 2012، والقانون رقم (22) لعام 2012.
- التشريعات التي أجازت اتخاذ تدابير تحفظية على الأموال: مثل المرسوم التشريعي رقم (63).
- النصوص التي تحجب حق التقاضي: مثل المادة (107) من قانون تنظيم مهنة المحاماة لعام 2010.
المحور الخامس: التشريعات المتعلقة بحق الملكية والاستملاك والتنظيم العمراني
تهدف هذه المجموعة إلى تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد في الملكية، وضمان التعويض العادل والرقابة القضائية.
- معالجة آثار الاستملاك والتنظيم العمراني: مثل المرسوم التشريعي رقم (60) لعام 1978.
- مراجعة التشريعات العقارية والعمرانية: تشمل قانون الاستملاك رقم (20) لعام 1983، والمرسوم التشريعي رقم (66) لعام 2012، والقانون رقم (10) لعام 2018، والقانون رقم (23) لعام 2015، وغيرها.
المحور السادس: القوانين ذات الصلة بالملكية العقارية
تهدف هذه التشريعات إلى تنظيم العلاقات العقارية وحقوق الملكية والتصرف بالأراضي والعقارات.
- قانون الإيجارات رقم (20) لعام 2015.
- قانون تملك غير السوريين للعقارات رقم (11) لعام 2011.
- قانون الإصلاح الزراعي.
- قانون العلاقات الزراعية.
- القانون رقم (41) لعام 2004 وتعديلاته.
المحور السابع: القوانين الاجتماعية والاقتصادية والإدارية
تحتاج هذه القوانين إلى مراجعة شاملة أو جزئية لمواكبة متطلبات بناء الدولة.
- قانون الجنسية: مراجعة المرسوم التشريعي رقم (276) لعام 1969 وتعديلاته.
- قانون ضريبة الدخل: مراجعة القانون رقم (24) لعام 2003 وتعديلاته.
- قوانين التربية والتعليم: لضمان جودة التعليم واستقلال المؤسسات التعليمية.
- قوانين الوظيفة العامة والتعيين والترقية: لترسيخ مبادئ الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص.
- قوانين مكافحة الفساد وحماية المال العام: لتعزيز استقلال الجهات الرقابية والتحقيقية.
يختتم حمادة بالتأكيد على أن بناء سوريا الجديدة يقتضي إعادة بناء المنظومة القانونية، وأن مجلس الشعب يقف أمام مسؤولية كبيرة تتجاوز إصدار قوانين جديدة إلى مراجعة شاملة للتشريعات النافذة. ويدعو إلى وضع خطة تشريعية وطنية واضحة تتضمن أولويات محددة وجدولاً زمنياً للتنفيذ، مستندة إلى دراسات متخصصة ومشاركة الخبراء والمجتمع المدني، بهدف بناء دولة تقوم على المواطنة والمساواة والعدالة.