الولايات المتحدة وتصدير الثقافة الأمريكية: أدوات السيطرة والتهميش الثقافي


هذا الخبر بعنوان "أميركا..وتصدير المتربول الثقافي (2)" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الجزء السابق، أوضحت أن المتربول الثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية يختلف عن تصديره إلى العالم، خاصة بلدان الشرق الأوسط، حيث كان الهدف تعميق فكرة الإذعان وتأكيد منطق التبعية. وعلى الرغم من تباهي الأمريكيين بالتفوق والاستكبار، إلا أنهم يتعاملون مع شعوب العالم الثالث بمنطق التبعية والدونية. يمثل هذا المتربول نمطًا آخر في المشهد الثقافي العربي المعاصر، وقد ظهر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع نجاح المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. بعد الحرب العالمية الثانية تحديدًا، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتسلل إلى المنطقة العربية، مركزة على العمل الثقافي، انطلاقًا مما أسماه بعض المنظرين الأمريكيين «البعد الرابع»، وهو بُعد جديد للسيطرة يضاف إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية. تم ذلك عبر إنشاء الجمعيات والإرساليات والسفارات ومعاهد التعليم والمجلات الدورية والمؤسسات البحثية ودور النشر والجوائز، بالإضافة إلى تصدير «الصرعات» التي أُطلق عليها اسم «الأمريكانيّة»، مثل أفلام هوليوود، موسيقى الجاز، أنواع الطعام المختلفة التي افتُتحت لها مطاعم خاصة، وتسويق الكوكاكولا، وتشجيع الموتيلات وسينما السيارات، وغيرها من مظاهر الاستهلاك الأمريكي.
من الأمثلة على ذلك، ظهرت في مصر مجلة «المختار» بحجمها الصغير المميز وثمنها الرخيص وطباعتها الجيدة. لعبت هذه المجلة دورًا كبيرًا في تهميش وعي القارئ العربي، وكانت الترجمة العربية للمجلة الأمريكية الشهرية الشهيرة (الأكل المهضوم للقارئ)، والتي روجت لقيم مفادها أن النجاح مرهون بلعبة الحظ والمصادفة، وأن العدل الاجتماعي معلق على كرم السادة والمستعدين للتبرع والإحسان. ولا يخفى على المهتمين بالشأن العام ما قامت به (مؤسسة فرانكلين) بدءًا من عام 1953، لمواجهة ثورة تموز في مصر واحتوائها وتحويل مسارها، وهو ما حدث أيضًا مع حلف بغداد. أما في سوريا، فقد ظهر ذلك من خلال (مؤسسة بحثية زراعية) جنوب مدينة حلب، وهي شركة (الإيكاردا)، التي استثمرت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة بحجة البحوث العلمية الزراعية، دون إخفاء مقاصدها وأهدافها الحقيقية.
أما عن الراهن، فقد اتضحت أهداف «العولمة»، التي تعني فيما تعنيه «الأمركة»، وهدفها الأول هو أمركة الثقافة العالمية، والقضاء على روح الانتماء للوطن والثقافة القومية. هذا غيض من فيض من ممارسات «المتربول الثقافي» ومقاصده التي تؤكد سيطرة النزعة الاستعمارية التلقينية، الدالة على أن قيم الفكر تأتي من الغرب وتعمق تكريس الإذعان والتبعية الفكرية، اللذين يقومان على تشريب الأفكار دون تمييز أو تمحيص. كل ذلك لتهميش الثقافة الوطنية والقضاء عليها، وتمكين منطق التبعية والدونية، وهو ما يُطلق عليه «العقل الأسير».
ثقافة
ثقافة
سياسة
ثقافة