دمشق: حملات 'مكافحة التشرد' تخفي وراءها قصصاً إنسانية معقدة عن فقدان المأوى وإعادة الإعمار


هذا الخبر بعنوان "الوجه الآخر لحملات “مكافحة التشرد” في العاصمة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب دمشق، وبين زحام شوارعها وأرصفتها، تتكشف ظاهرة تدفع الجهات الرسمية إلى إخلاء الشوارع ممن يُطلق عليهم وصف "المشردين". لكن الغوص أعمق في حياة هؤلاء يكشف عن واقع أشد قسوة؛ فالعديد منهم يمتلكون منازل حقيقية على بعد خطوات، لكنها ابتلعتها ركام الحروب، وأغلقت وعود "إعادة الإعمار" أبواب العودة إليها، ليجدوا في الشارع ملاذهم الوحيد.
في حي العدوي بدمشق، أمام جامع الثناء، تقبع سيارة زرقاء قديمة منذ عام 2015، تبدو للمارة مجرد مركبة منسية. لكن خلف زجاجها، يعيش رجل ستيني وابنه إسحاق (11 عاماً) في هذا الهيكل المعدني الذي أصبح بيتهما. تتكدس فيه مقتنياتهما القليلة: بطانيات، ملابس، وموقد غاز صغير، لتتحول السيارة إلى مسكن ضيق يلتهم يومياتهما.
يبدأ أبو إسحاق نهاره بجوار سيارته، يفرش الرصيف خلف بسطة صغيرة لبيع البسكويت، ويتنقل في الحي لكسب رزق إضافي عبر توصيل الطلبات أو تنظيف الأبنية. بنى الرجل علاقة طيبة مع جيرانه، الذين يصفونه بـ"رجل على باب الله" يكافح بكرامة. يقول أبو إسحاق: "إلي عُمر عايش هون، وكل الناس بتحبني وهون مصدر رزقي".
لكن هذا التعاطف لم يكن شاملاً. رأى البعض في السيارة المكدسة بالأغراض تشويهاً للمنظر العام. يعبر أحمد (اسم مستعار، 46 عاماً) عن انزعاجه قائلاً: "سيارة أبي إسحاق تبدو وكأنها مكان لتجميع القمامة، وقد حاولنا بكل السبل إخراج الرجل وسيارته من الحي، لكننا لم نستطع إلى أن تجاوبت محافظة دمشق مع شكاوانا المتكررة ضمن حملة إزالة السيارات القديمة".
تزامنت شكاوى الأهالي مع توجه رسمي أوسع للتعامل مع المشهد كأزمة بصرية واجتماعية. اعتبرت الجهات الحكومية بقاء أبي إسحاق وابنه امتداداً لظاهرة "التشرد" التي تحول الساحات والأرصفة إلى مآوٍ قسرية. وفي ظل اتساع الظاهرة، كثفت الأجهزة المعنية تحركاتها، حيث أسفرت حملات لجان مكافحة التسول والتشرد عن ضبط نحو 550 حالة في دمشق وريفها خلال أشهر قليلة، وفقاً لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، حملة ميدانية لمكافحة التسول والتشرد في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وفي كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد في دمشق عن نقل 185 حالة إلى مراكز رعاية، بينها 13 امرأة والباقي أطفال، مع إبقاء الحالات في المراكز لفترات تتراوح بين ستة أشهر وعام قبل إعادتها إلى أسرها أو تحويلها إلى دور الرعاية.
خلال هذه الحملات، أزالت محافظة دمشق السيارة الزرقاء ونقلتها إلى محيط حديقة الحيوانات على أوتوستراد العدوي، ليجد الأب وابنه نفسيهما بلا مأوى يحميهما من أعين المارة، مضطرين لافتراش إسفلت الرصيف ليلاً.
لكن فقدان السيارة لا يروي القصة كاملة. خلف ملامح "التشرد" التي وُصم بها الرجل، تختبئ مفارقة قاسية. أبو إسحاق ليس بلا مأوى أصلاً، بل يمتلك منزلاً فعلياً لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن العاصمة، لكن طريق العودة إليه مسدود بركام دمار السنوات السابقة، ومفاتيحه ضائعة في أروقة ملف "إعادة الإعمار" المعطل.
هذه المفارقة لا تخص أبا إسحاق وحده. ففي آذار/مارس 2025، أفادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن 80% من الأسر النازحة التي شملتها تقاريرها أكدت أن منازلها مدمرة أو متضررة بشدة، وأن نقص السكن والعمل والخدمات هو من أبرز الأسباب التي تمنع النازحين من العودة إلى مناطقهم.
لم يختر الرجل الستيني أرصفة دمشق طوعاً. بدأت قصته قبل اندلاع الحرب عام 2011، حين قدم من ريف حلب ليؤسس حياة مستقرة انتهت باقتناء منزل في بلدة كفر بطنا بالغوطة الشرقية. يقول أبو إسحاق: "عملت خادماً للمسجد ثم حارساً للحديقة، واستطعت شراء منزلي. لكن سرعان ما بدأت الحرب وتهجّرنا، ولم يكن عندي مكان ألجأ إليه إلا هنا. أم إسحاق تركت لي الصغير ورحلت.. وعندما استطعت العودة إلى بيتي وجدته مدمراً".
اصطدمت محاولات الرجل للترميم بواقع اقتصادي قاسٍ. يضيف موضحاً: "حاولت إعادته على مراحل وبقدر استطاعتي، لكن ما كنت أنجزه كان يتعرض للسرقة بسبب غيابي ووجودي هنا إلى جانب ابني.. وإن شاء الله يأتي يوم ويعود كما كان".
هذا العجز الفردي الذي يكابده أبو إسحاق لترميم جدران بيته، ينسحب على آلاف العائلات التي تُركت منازلها لمصيرها في كفر بطنا وعموم الغوطة الشرقية. يؤكد رئيس مجلس البلدة، مهند خربوطلي، أن نسبة الدمار في كفر بطنا وحدها تقارب 25 في المئة، متركزة في محيط المشافي والمدارس، وتحديداً في مناطق الإرشادية، ومشفى الكهف، والكرم.
تؤكد صور الأقمار الاصطناعية حجم الضرر الذي تعرضت له كفر بطنا ومحيطها خلال المراحل الأخيرة من الحرب في الغوطة. ففي تقييم سريع نشره معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث في آذار/مارس 2018، أظهرت صور التقطت بين كانون الأول/ديسمبر 2017 وشباط/فبراير 2018 أن 29% من المناطق التي شملها التحليل في كفر بطنا وعربين وشرق دمشق شهدت أضراراً جديدة كبيرة، شملت مباني مدمرة بالكامل أو متضررة بشدة، فيما ظهرت أضرار أخف في 24% إضافية من المناطق التي جرى تحليلها.
تتطابق هذه التقديرات المحلية مع الخرائط الأممية التي ترصد شللاً عمرانياً أوسع. توثق بيانات معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNOSAT) تضرر ودمار نحو 34,136 مبنى ومنشأة في عموم الغوطة الشرقية حتى عام 2018. وتفصل البيانات هذا الخراب بين تدمير كلي طال 9,353 مبنى، ودمار شديد أخرج 13,661 مبنى عن الخدمة، لتسجل أحياء كاملة نسب دمار قياسية تصدرها حي جوبر بـ93 في المئة، تلته عين ترما بـ73 في المئة، ثم زملكا وسقبا.
أظهر تقييم أممي منفصل للأضرار في آذار/مارس 2018 أن الضرر في كفر بطنا وعربين وشرق دمشق لم يكن موزعاً بالتساوي، بل تركز في جيوب تعرضت خلال أسابيع قليلة لدمار كثيف، وهو ما يفسر الفوارق الكبيرة داخل البلدة نفسها بين أحياء بقي بعضها قابلاً للسكن وأخرى فقدت جزءاً واسعاً من مبانيها.
أمام هذه الأرقام الثقيلة التي تفوق طاقة الأهالي، تبدو استجابة المنظمات الإنسانية والمبادرات الأهلية باهتة للغاية. يصف خربوطلي تدخل المنظمات بأنه "هزيل"، مؤكداً أنه اقتصر على ترميم جزئي لنحو 15 منزلاً فقط. أما المبادرات التي تروج لأرقام طموحة، كحملة "ريفنا بيستاهل" التي أعلنت استهدافها ترميم 200 ألف منزل، فينفي رئيس البلدية وصول أي مساعدة منها قائلاً بحسم: "لم نتلقَ أي دعم من هذه الحملة حتى الآن، ولم نلمس أي أثر لها على الأرض".
تكشف الأرقام الوطنية اتساع الفجوة بين الحاجة وحجم التدخلات المتاحة. في كانون الثاني/يناير 2026، قدّرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن نحو 4.7 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى إصلاح أو إعادة تأهيل مساكنهم. وفي الاتفاق نفسه الذي أعلنته المفوضية لترميم مساكن في حرستا وريف حلب، خُصص تمويل لإصلاح نحو 470 وحدة سكنية فقط، كمثال على محدودية قدرة برامج الترميم الفردية قياساً إلى حجم الضرر المتراكم.
في شباط/فبراير 2026، أعلنت المفوضية أن برنامجها لإعادة تأهيل المساكن بدأ بهدف إصلاح 1,500 منزل في مختلف المحافظات، مع توسيع التقييم ليشمل 1,800 أسرة إضافية. هذه الأرقام، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام ملايين الأشخاص الذين يحتاجون إلى إصلاح مساكنهم.
اليوم، وبعد إزالة سيارتهما الزرقاء، يمضي أبو إسحاق وابنه لياليهما على إسفلت حي العدوي. يطوي الرجل الستيني يومه خلف بسطة البسكويت، ويجهز مساحة للنوم مكشوفاً أمام أعين المارة. وعلى بعد كيلومترات قليلة، يقبع بيته في كفر بطنا تحت الركام بانتظار وعود الإعمار، بينما يفترش هو الأرصفة، وفي جيبه عقد ملكية لبيت لم يتبقَّ منه سوى الورق.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد