سوريا
اقتصاد

بين الأبراج الفاخرة والخيام البسيطة: لمن تُبنى المشاريع السكنية في دمشق؟

syria.tv١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٠ م0 مشاهدة
بين الأبراج الفاخرة والخيام البسيطة: لمن تُبنى المشاريع السكنية في دمشق؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين الأبراج والخيام.. لمن تبنى المشاريع السكنية في دمشق؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عاد أبو خالد إلى ريف دمشق ليجد منزله مدمراً، ويعيش حالياً كناطور في مزرعة، آملاً في بدء إعادة الإعمار قريباً. تشهد دمشق توسعاً في المشاريع السكنية الحديثة بأسعار مرتفعة، مما يثير تساؤلات حول الفجوة بين أسعار العقارات والدخل المحلي. يواجه السوريون صعوبة في شراء العقارات الجديدة بسبب ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخل، مما يبرز الحاجة إلى مشاريع سكنية ميسورة التكلفة وبرامج تمويل طويلة الأمد.

بعد سنوات من التهجير والنزوح، عاد أبو خالد إلى ريف دمشق، حاملاً أملاً بسيطاً في العثور على منزله وإكمال حياته حيث توقفت خلال الحرب. لكن المنزل لم يكن موجوداً، حتى الطريق المؤدي إليه اختفت بسبب الركام والدمار. لم يجد أبو خالد بيتاً يعود إليه، بل وجد نفسه أمام رحلة جديدة وشاقة للبحث عن مأوى لعائلته. يقول لموقع تلفزيون سوريا: "لقد أمضيت سنوات كثيرة في الخيام بالشمال السوري مع زوجتي وأولادي الثلاث، وبعد التحرير في طريق العودة إلى دمشق كنت متفائلاً أن أجد حتى ولو جدران وسقف منزلي، ولكن لم أجد سوى ركام وحجارة"، آملاً أن تبدأ إعادة إعمار المناطق المنكوبة قريباً.

ويضيف أبو خالد: "أعمل اليوم ناطوراً في إحدى مزارع ريف دمشق، وأعيش مع زوجتي وأولادي في غرفة جانبية داخل المزرعة من دون دفع إيجار، مقابل راتب شهري يبلغ نحو مليون ونصف ليرة سورية". ويقول أبو خالد: "إنني مقهور جداً، لقد أمضيت عمري في الخيمة ومن ثم إلى غرفة الحراسة، تغير مكان السكن، لكن حلم امتلاك منزل بقي بعيداً عني".

فجوة عقارية في سوريا

في الوقت الذي يبحث فيه آلاف السوريين عن مأوى بديل عن الخيام، وتشكل العودة إلى منزل آمن حلماً مؤجلاً لعائلات أخرى فقدت منازلها خلال سنوات الحرب، تشهد دمشق وريفها توسعاً في مشاريع سكنية جديدة، تضم وحدات ومجمعات حديثة بأسعار قد تتجاوز القدرة الشرائية لشريحة واسعة من السوريين. ومن بين هذه المشاريع "مشروع شام فيو" في ضاحية قدسيا، المقام بالشراكة بين شركة ثرا الأولى العقارية السعودية والمؤسسة العامة للإسكان السورية، إلى جانب مشاريع أخرى بينها "أبيات هيلز" التي تقدم نموذجاً للمجمعات السكنية الحديثة.

وتطرح هذه المشاريع نفسها كجزء من مرحلة جديدة في سوق العقارات السورية، لكن أسعار هذه المساكن تضع السوريين المهجرين خصيصاً بسبب الحرب أمام أسئلة كثيرة، أهمها القدرة الشرائية لديهم، أم أنها تستهدف شريحة معينة من المجتمع قادرة على دفع مبالغ كبيرة مقابل السكن؟ وهنا تطفو على العلن مشكلة كبيرة لا تتعلق بالاستثمار العقاري أو المشاريع الحديثة، وإنما بالفجوة بين سعر المسكن والدخل المحلي، خصوصاً في بلد فقد فيه مئات آلاف الأسر مساكنها، وباتت تعيش في الإيجار بعد سنوات من النزوح.

متر واحد يساوي راتباً سنوياً

وبدوره يقول قاسم الباشا، متقاعد ومهجر يعيش في منزل للإيجار منذ 12 عاماً: "بعد الإعلان عن المشاريع السكنية الجديدة أصبت بحالة من الدهشة عند سماع سعر المتر المربع الذي يتجاوز 1200 دولار". ويضيف قاسم أنه "متقاعد يتقاضى راتبه الشهري مليونا ومئتين وخمسين ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 100 دولار، ويذهب منه مليون ليرة إيجار المنزل، وباقي الشهر بقدرة الله الكريم". ويوضح أنه إذا فكر بشراء متر واحد من هذه المشاريع السكنية، فهو بحاجة إلى أكثر من عام من دخله الكامل، مفترضاً أنه إذا استطاع ادخار راتبه كاملاً وعدم إنفاق ليرة واحدة منه. ولكن هذا الافتراض غير ممكن مع حالة المتقاعدين، فمعظمهم يعيش بالإيجار وبحاجة إلى دواء وغذاء ومستلزمات معيشية. وهنا تظهر الفجوة بين أسعار العقارات الجديدة ودخل شريحة من السوريين فقدوا منازلهم ليجدوا أنفسهم أمام سوق سكنية جديدة لا يملكون القدرة المالية على دخولها.

الادخار معدوم

ولا تقتصر المشكلة على الموظفين والمتقاعدين والمهجرين، وإنما الفجوة تطول أيضاً أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة. محمود، مستثمر في سوبر ماركت في صحنايا بريف دمشق، يقول لموقع "تلفزيون سوريا": "إن شراء متر واحد في هذه المشاريع ليست هدفاً يستطيع الوصول إليه رغم امتلاكه مشروعاً تجارياً". ويضيف: "أنا مستثمر بسوبر ماركت كبير نوعاً ما، ومع ذلك لا أستطيع ادخار ثمن متر واحد، فكيف لـ 100 متر بهذه المشاريع الضخمة؟ فلدي التزامات أساسية من فواتير كهرباء وأمبيرات وأجور عمال وتسديد ثمن البضائع وغيرها من المصاريف الضرورية، إضافة إلى مصاريف المنزل والعائلة". ويشير إلى أن "المشكلة باختصار لا تكمن فقط بارتفاع قيمة العقار، وإنما في صعوبة تحويل جزء من الدخل إلى ادخار طويل الأمد في ظل وجود التزامات تشغيلية ومعيشية لا يمكن تأجيلها". ومن الملاحظ أنه حتى لو كان لدى الشخص مصدر دخل أو مشروع خاص، فإن امتلاك منزل بقيمة عشرات آلاف الدولارات يحتاج إلى قدرة على الادخار لا تتوفر بالضرورة لمن يعيش داخل الاقتصاد المحلي، حيث تتوزع الإيرادات على سلسلة طويلة من المصاريف اليومية والتشغيلية.

أزمة السكن في سوريا واستقرار الشباب

لا ترتبط أزمة السكن في دمشق وريفها فقط بالمهجرين والمستأجرين، وإنما تؤثر بشكل سلبي على استقرار الشباب في البلاد. ويقول سامي مبدي، مهندس وشاب مقبل على الزواج: "لا أرى شراء منزل ضمن مشروع "شام فيو" خياراً يمكنني حتى التفكير به، فهو بالنسبة لي مجرد إعلان على السوشال ميديا". ويضيف أن "أزمة شراء منزل لا تقتصر فقط على هذه المشاريع، ولكن حتى في أماكن أخرى لم أستطع حتى الآن شراء منزل، فأسعار العقارات بسوريا مرتفعة جداً ولا تتوافق مع الدخل". لافتاً إلى أن شراء المنزل أصبح بالنسبة لكثير من الشباب السوري هدفاً مؤجلاً إلى وقت غير معروف.

هل تستهدف المشاريع السكنية المغتربين؟

بالنسبة للمغتربين المقيمين منذ سنوات خارج البلاد، اعتبروا أن أسعار هذه العقارات تفوق أسعار المنازل في الدول الأوروبية. علاء، شاب مغترب في ألمانيا، لا يرى أن هذه المشاريع تستهدف المغتربين بشكل عام، ويقول: "إن شريحة كبيرة من السوريين المقيمين في ألمانيا تتراوح رواتبها، بحسب تقديره، بين 1700 و2100 يورو شهرياً، مشدداً على أن حديثه هنا يخص ألمانيا تحديداً، ولا يشمل السوريين المقيمين في بقية الدول". ويضيف لموقع "تلفزيون سوريا" أن "النظر إلى المغترب بأنه قادر تلقائياً على شراء عقار مرتفع الثمن يتجاهل تكاليف الحياة والقدرة الفعلية على الادخار".

وبحسب علاء، "فإذا بلغ سعر المتر نحو 1800 دولار، فإن شقة مساحتها 100 متر مربع تصل قيمتها إلى 180 ألف دولار، أي أن يحتاج شخص يتقاضى 1800 يورو شهرياً إلى نحو 100 شهر من دخله الكامل لشراء منزل بهذه القيمة، أي أكثر من 8 سنوات إذا افترضنا أنه لا ينفق أي جزء من راتبه خلال هذه الفترة". ويضيف الشاب المغترب: "أن من يتقاضى 2100 يورو شهرياً فتحتاج قيمة المنزل إلى ما يقارب 86 شهراً من كامل دخله، أي أكثر من سبع سنوات". ويقول علاء لموقع "تلفزيون سوريا": إن "هذه الحسبة افتراضية لا تأخذ في الاعتبار الإيجار والطعام والضرائب والمواصلات وجميع المستلزمات المعيشية، ولكن أردت فقط تسليط الضوء على حجم الفارق بين الدخل والسعر المطلوب لشراء عقار في مشاريع دمشق الحديثة".

ولا يكتفي علاء بالحديث عن أسعار العقارات في دمشق، وإنما يقارن ما يمكن أن يحصل عليه بالمبلغ نفسه في ألمانيا بما تعرضه بعض المشاريع في دمشق. ويوضح أنه إذا كان لديه المبلغ الذي يشتري 100 متر في دمشق، فإنه بالمبلغ ذاته يستطيع شراء منزل "هاوس" ثلاث طوابق مع حديقة في ألمانيا، مشيراً إلى أن المقارنة لا تتعلق فقط بعدد الأمتار، وإنما بما يحصل عليه المشتري مقابل المبلغ الذي دفعه. يؤكد علاء أن النظرية القائلة إن: "السعر المرتفع للمتر موجه أساساً إلى المغتربين غير صحيحة أبداً من وجهة نظره، لأن المغترب نفسه لا ينظر فقط إلى قدرته على الدفع، بل إلى ما يستطيع شراءه بالمبلغ نفسه".

أعباء إعادة الاعمار

يرى الخبير العقاري أمجد الوكيل أن "حجم الدمار الذي طال مناطق واسعة بريف دمشق كبير جداً، وأن أعباء إعادة الاعمار ضخمة، لكن في الوقت نفسه يجب وضع أولويات في المشاريع السكنية وخطة مدروسة للشرائح التي تستهدفها". ويقول لموقع "تلفزيون سوريا" إن: "مناطق الغوطة التي تعرضت لدمار واسع كان من المفترض أن تكون ضمن أولويات المشاريع السكنية، وأن تراعي هذه المشاريع الأوضاع المعيشية للسكان وقدرتهم الفعلية على الشراء، خصوصاً للعائلات المهجرة التي دمرت منازلها بالكامل وتعيش حالياً إما بالمخيمات أو بمنازل للإيجار".

وبحسب رأيه "أن معالجة أزمة السكن لا ترتبط فقط ببناء وحدات سكنية حديثة، وإنما بمكان هذه المشاريع وآليات تمويلها والفئات التي تستطيع الاستفادة منها". ويشير إلى أن وجود مشاريع استثمارية مرتفعة الثمن لا يتعارض بحد ذاته مع حاجة السوق، لكن المشكلة تظهر عندما لا يترافق مع مسار سكني موازٍ لفئات الدخل المحدود والمتوسط. ويرى الوكيل أن العائلات التي فقدت منازلها لا يكفيها زيادة عدد الوحدات السكنية في السوق إذا بقيت أسعارها بعيدة عن قدرتهم الشرائية. وهنا بحسب الخبير العقاري، تصبح الحاجة أكبر إلى مشاريع أقل كلفة، وبرامج تقسيط وتمويل طويلة الأمد، وإعادة إعمار المناطق المتضررة بما يسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم، لا الاكتفاء بإضافة وحدات جديدة إلى السوق العقارية.

السوق يكبر والفجوة تتمدد

ويشرح الخبير العقاري أنه ليس بالضرورة كل مشروع عقاري يكون موجهاً إلى ذوي الدخل المحدود، أو أن الاستثمار العقاري لا حاجة له. فالسوق بحسب الوكيل بحاجة إلى استثمارات، والمجمعات الحديثة يمكن أن تضيف وحدات سكنية وخدمات وفرص عمل، لكن زيادة عدد الوحدات السكنية لا تعني بالضرورة حل أزمة السكن إذا كانت أسعار هذه الوحدات بعيدة عن القدرة الشرائية للفئات الأكثر احتياجاً للمسكن. وهنا يصبح الفرق واضحاً بين العقار كاستثمار والسكن كحاجة أساسية.

وبين الأبراج السكنية الجديدة التي ترتفع في دمشق وريفها، وبيوت ما تزال مدمرة أو عائلات تعيش في الإيجار والخيام، تتسع الفجوة بين ما يُبنى وما يستطيع السوريون الوصول إليه.

شارك الخبر: