من الوساطة إلى أمين صندوق: أزمة المصارف السورية تهدد مسار التعافي الاقتصادي


هذا الخبر بعنوان "المصارف من وسيط مالي إلى أمين صندوق" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحوّلت أزمة المصارف من مشكلة سيولة عابرة إلى عائق رئيسي أمام التعافي الاقتصادي، بعد أن فقد القطاع المصرفي جزءاً كبيراً من دوره الحيوي كوسيط مالي قادر على جذب المدّخرات وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج، ليقتصر دوره في الغالب على إدارة النقد وتلبية الاحتياجات التشغيلية المحدودة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الصباغ في تصريح لـ”الوطن” أن السبب الجذري للأزمة يتمثّل في تحوّل المصارف من وسيط مالي إلى ما يشبه أمين الصندوق، وذلك نتيجة أزمة السيولة وتراجع قدرة مصرف سوريا المركزي على استخدام أدوات السياسة النقدية بفاعلية. ويشير الصباغ إلى أن تركيز مصرف سوريا المركزي على عملية استبدال العملة جعله منشغلاً بإدارة الأوراق النقدية على حساب دوره الأساسي في تنشيط الاقتصاد وإدارة السيولة بما يدعم النشاط الإنتاجي.
ويؤكد الصباغ أن المصارف العاملة في سوريا باتت غارقة في أزمة سيولة حادة تحدّ من قدرتها على تلبية طلبات السحب، وتحول دون استئناف دورها في منح القروض وتمويل الاستثمار وإعادة الإعمار. وبذلك، تحوّلت الودائع في جزء كبير منها إلى أرقام مصرفية تفتقد قدرتها على التحوّل إلى تمويل فعلي للنشاط الاقتصادي، مما يفرغ القطاع المصرفي من وظيفته الأساسية كحلقة وصل بين المدّخرات والاستثمار.
ويظهر شلل النشاط المصرفي، بحسب الصباغ، في مجموعة من الإجراءات التي أدت إلى حبس السيولة، ومنها تحويل ودائع القطاع العام إلى حساباته والموافقة المسبقة على صرف الشيكات الحكومية. ويرى أن هذه الإجراءات انعكست سلبياً على حركة الأموال، وأدت إلى تأخير دفع مستحقّات المورّدين وتعطيل تنفيذ عدد من المشاريع الحكومية والخاصة، لتتحوّل مشكلة السيولة المصرفية إلى أزمة تشمل الدورة الاقتصادية بأكملها.
ومع نقص السيولة، اتجهت المصارف إلى الامتناع عن منح القروض والتسهيلات الائتمانية أو تشديد شروط الحصول عليها بدرجة كبيرة، الأمر الذي أضعف قدرتها على دعم القطاعات الانتاجية وعمّق حالة الركود. ويحذّر الصباغ من أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء المصارف خارج دائرة إعادة الإعمار، في وقت يُفترض أن تكون فيه أحد أهم محرّكات التمويل والاستثمار.
ولا تقف تداعيات الشلل المصرفي عند حدود القطاع المالي، بل تمتد لتشمل الاقتصاد الكلي والثقة بالبيئة الاستثمارية. وبحسب تقديرات البنك الدولي، نما الاقتصاد السوري بنحو 1 بالمئة فقط خلال عام 2025 بعد انكماش شهده خلال عام 2024، وهو أداء يعكس عمق الهشاشة الاقتصادية التي تتداخل فيها عوامل متعدّدة، بينها ضعف النشاط المالي والتمويلي. ويرى الصباغ أن الإجراءات المصرفية أوجدت أيضاً حالة من عدم الثقة لدى العملاء والمستثمرين بعدما أصبحت مؤشراً على ضعف قدرة النظام المصرفي والضغوط المالية التي تواجهها الجهات العامة.
وتنعكس هذه الأزمة اجتماعياً من خلال تراجع النشاط الاقتصادي وتفاقم الفقر والبطالة وتآكل القدرة على حماية المدّخرات، فيما تؤدي هشاشة البنية المصرفية إلى إضعاف قدرة سوريا على الاندماج في النظام المالي العالمي وجذب الاستثمارات الخارجية. ومع غياب الخدمات المصرفية الفاعلة، يتوسّع النشاط خارج القنوات الرسمية ويتزايد اللجوء إلى شركات الصرافة والمضاربة على العملة واقتصاد الظل، وهو ما يضيف ضغوطاً جديدة على الاستقرار النقدي والمالي.
ويخلص الصباغ إلى أن القطاع المصرفي السوري يواجه أزمة مركّبة من السيولة والثقة وضعف القدرة على تمويل النشاط الاقتصادي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على النمو والاستثمار وإعادة الإعمار. ويرى أن تجاوز هذه الحلقة المفرغة يتطلب إصلاحاً جذرياً يعيد هيكلة القطاع المصرفي، ويبني الثقة من جديد، ويمنح المصارف القدرة على استعادة دورها كوسيط مالي وتنموي، فضلاً عن فتح الطريق أمام اندماج النظام المصرفي السوري في الأسواق المالية العالمية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد