سوريا
سياسة

الرقابة البرلمانية في سوريا: تحديات الخبرة المستقلة وغياب المساءلة الفعلية

syria.tv٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٧:١٨ ص0 مشاهدة
الرقابة البرلمانية في سوريا: تحديات الخبرة المستقلة وغياب المساءلة الفعلية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الخبرة المستقلة والرقابة البرلمانية في سوريا" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه البرلمان السوري تحديات جوهرية في ممارسة رقابة فعالة على أداء الحكومة، حيث تظل الإجابات الرسمية للوزراء، رغم اكتمالها شكليًا، بعيدة عن التحقق الموضوعي. تكمن المشكلة الأساسية في افتقار البرلمان إلى أساس مستقل لتقييم المعلومات المقدمة، مما يحول جلسات الاستماع إلى اختبار لقدرة الوزير على الإقناع بدلاً من التحقق من صحة المعلومات. فالرقابة البرلمانية ليست مجرد اختصاص قانوني، بل هي قدرة مؤسسية تتطلب كوادر بشرية مؤهلة ومعرفة فنية وإمكانية وصول مستقلة للمعلومات.

تتجسد المشكلة في عدم التكافؤ المعلوماتي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالوزارات هي الجهة المصممة للبرامج والمحتفظة بالسجلات، وعندما يعتمد البرلمان على هذه المواد وحدها، فإنه يتبنى تعريف الحكومة للمشكلة ومؤشراتها. قد تعلن وزارة عن زيادة الإنفاق، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان مستوى الخدمة قد تحسن فعلاً. الاستقلالية هنا لا تعني بالضرورة مصدرًا خارجيًا، بل قدرة البرلمان على اختبار ادعاءات الوزارات دون الاعتماد الحصري عليها.

يجب التمييز بين الخبرة والأدلة. فوجود بيانات موثوقة لا يكفي دون معرفة كيفية استخدامها لتقييم القرارات الوزارية. كما أن اختلاف الأرقام قد يكشف عن أخطاء أو سوء استخدام، لكنه لا يثبت ذلك بمفرده. تشير الدراسات إلى أن الاستخدام الرمزي أو التكتيكي للبحوث هو النمط الأكثر شيوعًا، وأن وجود كوادر بحثية متخصصة لدى اللجان البرلمانية يساعد على الاستفادة من الأدلة، بينما يشكل عدم توافر المعلومات في الوقت المناسب عائقًا.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسة البرلمانية. إنشاء جهاز بحثي دائم يضم كوادر مهنية متخصصة يتيح للبرلمان مقارنة المصادر واكتشاف ما أغفلته المعلومات وبناء معرفة مؤسسية تراكمية. الخبرة الخارجية تكون أكثر فائدة عندما يكلف البرلمان جهات متخصصة بمهام محددة ويقيم نتائجها بصورة مستقلة.

تثير جلسات الاستماع إشكالية اختيار المشاركين. الكفاءة الفنية لا تمنح صاحبها تفويضًا للتحدث باسم جماعة، والتجربة المباشرة توفر أدلة لا يحل محلها التحليل المتخصص. الاستماع إلى طيف واسع من المشاركين يعزز الشرعية الإجرائية، لكن تحديد ما تثبته شهاداتهم هو مهمة تحليلية مستقلة. المعيار العملي هو الإفصاح عن المصالح واعتماد معايير شفافة لاختيار المشاركين وإخضاع منهجياتهم لتقييم مستقل.

تتطلب المساءلة التمييز بين الرقابة وفحص أعمال الحكومة، وتقديم التفسيرات، والاستجابة لتصحيح المعلومات، والجزاء. الأدلة تعزز الرقابة والمطالبة بالتفسيرات، لكن تحولها إلى استجابة مؤسسية يعتمد على تعاون الحكومة والحوافز السياسية والصلاحيات وآليات المتابعة. تأثير اللجان البرلمانية معقد وغير مباشر، ويتجلى في تعديل الوزارات لسلوكها عندما تتوقع إخضاع ادعاءاتها للفحص.

في سوريا، تكتسب هذه الفروق أهمية خاصة في ظل الإطار الدستوري. بموجب الإعلان الدستوري، يمتلك مجلس الشعب صلاحيات عقد جلسات استماع وإقرار الموازنة، لكن رئيس الجمهورية ينفرد بتعيين الوزراء وإعفائهم دون موافقة المجلس. لا توجد آلية برلمانية لمنح الثقة أو سحبها، مما يجعل جلسات الاستماع تفرض واجب تقديم الإجابات دون سلطة إيقاع الجزاءات. هذا يزيد من أهمية الاستناد إلى الأدلة والوقائع المتحقق منها.

تتفاقم الصعوبة في المرحلة الانتقالية السورية بسبب افتقار البرلمان للمعلومات التي تحتفظ بها السلطة التنفيذية، وعدم اكتمال المعلومات لدى السلطة التنفيذية نفسها. يتضح ذلك في عرض الموازنة العامة قبل اطلاع المجلس عليها، والصعوبات التي تعترض إنجاز الحسابات الختامية. الخبرة المستقلة تساعد على التحقق من المعلومات غير المكتملة وإعادة بناء القاعدة المعلوماتية اللازمة لممارسة الرقابة.

النظام الداخلي الذي اعتمد في 30 تموز/يوليو 2026 يتضمن أحكامًا بشأن الدعم البحثي للمجلس، والسماح لغير الأعضاء بحضور اجتماعات اللجان، والاستماع إلى شهادات الخبراء. هذه الترتيبات لا تنقل صلاحية توجيه الأسئلة إلى الوزراء من أعضاء المجلس إلى الخبراء الخارجيين. يمكن للجان البرلمانية الحصول على الوثائق الوزارية، وتكليف جهات مستقلة بتقييمها، والاستعانة بالمحللين البرلمانيين للتمييز بين الوقائع المدعومة بالأدلة وتلك محل الخلاف.

يُقاس نجاح هذه العملية بمدى فحص أوجه التباين والتناقض في المعلومات. الاستعانة بالخبرات المستقلة توسع القاعدة المعلوماتية والإثباتية لقرارات البرلمان، وتجعلها أكثر قابلية للفحص والمراجعة والتصحيح، مما يعزز الرقابة على الوزراء والممارسة المدروسة لصلاحيات المجلس. البرلمان الذي يعتمد على رواية السلطة التنفيذية لتقييم أدائها لا يستطيع التحقق بصورة مستقلة.

شارك الخبر: