سوريا
سياسة

سوريا والأردن: ما وراء الحدود.. روابط إنسانية ومصالح مشتركة تتجاوز القلق

syria.tv٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٨ ص0 مشاهدة
سوريا والأردن: ما وراء الحدود.. روابط إنسانية ومصالح مشتركة تتجاوز القلق

تنويه

هذا الخبر بعنوان "على الجهة الأخرى من القلق.. سوريا والأردن" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز الحدود بين سوريا والأردن كونها مجرد خطوط فاصلة، لتكشف عن نسيج اجتماعي وإنساني متشابك يجمع بين الشعبين أكثر مما يفرقهم. فمن درعا إلى الرمثا، تمتد هذه الحدود لتصبح شريان حياة يربط البيوت والأقارب والأعراس والجنازات، حيث تتشابه اللهجات، وتتكرر رائحة الخبز، وتتداخل أسماء العائلات، مما يجعل التمييز بين ضفتي الحدود أمرًا صعبًا.

في أوقات الشدة، لم يجد أهل الجنوب السوري صعوبة في البحث عن ملاذ لدى جيرانهم في الأردن، مدركين أن هناك بيوتًا تعرفهم وأبوابًا ستُفتح لهم. وقد أثبتت الأزمات الكبرى أن ما يؤثر على دولة لا يبقى حبيس حدودها، بل يمتد تأثيره إلى محيطها. وبينما يتذكر من عبروا ليالي اللجوء الصعبة، يتذكر الأردنيون أيضًا الضغط الذي فرضته سنوات اللجوء على خدماتهم، لكنهم في الوقت ذاته فتحوا أبوابهم في وقت المحنة.

تتولد عن هذه التجارب مشاعر معقدة تجمع بين الامتنان والتعب، وتتطلب إنصافًا لمنع تحول التجربة القاسية إلى حاجز جديد. إن الاستقرار في الجوار يمكن أن يكون سندًا للتعافي، لكن المصير المشترك لا يعني تطابق المواقف السياسية. فالأردن لديه مخاوف مشروعة تتعلق بالتهريب والأمن، وسوريا لها حق السيادة على أراضيها.

تكمن المشكلة في إدارة الاختلافات لا في وجودها. فالعلاقات بين الدول تُبنى على القدرة على التعامل مع التباينات دون استنزاف المصالح المشتركة. السياسة الناضجة لا تتجاهل مخاوف الجار، بل تسعى لإيجاد صيغة تحقق أمن كل طرف كجزء من حل مستدام. في الجنوب السوري، تتجلى هذه المعادلة بتعقيداتها، فالمنطقة ليست مجرد ملف أمني أو حدود دفاعية، بل مجتمع يعيش تحديات متراكمة تتداخل فيها شبكات التهريب مع التشكيلات المحلية واقتصاد البقاء.

بالنسبة لمن يعيشون هناك، فإن هذه المسائل ليست مجرد ملفات أمنية، بل تفاصيل يومية تمس حياتهم ومستقبلهم. فالمعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لحل مشكلة تتغذى من الفقر والبطالة وضعف الخدمات. والتنمية تحتاج إلى بيئة آمنة وسيادة القانون. لذا، فإن الأمن والتنمية شرطان لاستدامة أحدهما الآخر.

إن الخوف المتواصل يترك بصمة عميقة على الأجيال، حيث يتعلم الأطفال أن الحدود مكان تُحسب فيه الخطوات، وأن الجار قد يصبح مصدر قلق. هذه خسارة بطيئة وعميقة لا تنتهي بتحسن المؤشرات الأمنية، بل تحتاج إلى سنوات من الاستقرار والثقة لاستعادة عافية العلاقات الإنسانية.

الانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء المصالح هو خيار استراتيجي. فسوريا المستقرة التي تضبط حدودها وتوفر فرصًا لأبنائها تمثل مصلحة للأردن، كما أن الأردن المستقر الذي يربط سوريا بمحيطها العربي يمثل فرصة لسوريا. يتطلب الأمر تعاونًا مؤسسيًا مستمرًا في ملفات الحدود والتجارة والنقل والمياه والطاقة، لجعل المصالح المشتركة واقعًا ملموسًا.

الطريق ليس سهلاً، فالوثوق لا يُبنى بقرار، والمصالح لا تُبنى بالتمنيات. لكن البداية تكون بخطوات واضحة، واحترام متبادل للسيادة، وتنسيق أمني يعالج المخاطر مع الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، وفتح المجال للتجارة المشروعة، وتيسير حركة الناس، وإعادة الاعتبار للمناطق الحدودية.

إن أمن الأردن مرتبط بقدرة الدولة السورية على التعافي، وتعافي سوريا يحتاج إلى جوار عربي مستقر. الفراغ الذي يضعف إحدى الدولتين لن يبقى محصورًا داخل حدودها، والاضطراب في إحداهما سيجد طريقه إلى الأخرى. أما الاستقرار المبني على مؤسسات فاعلة واقتصاد منتج وعلاقات متوازنة، فيمكن أن يتحول إلى مكسب مشترك.

بين سوريا والأردن ذاكرة متداخلة ومصالح لا تفصلها الجغرافيا، ومستقبل يتأثر بما يبنيانه معًا. الحكمة في إدارة الجوار تُبنى بالثقة وتحمل المسؤولية، وإدراك أن المواقف الأعلى صوتًا ليست دائمًا الأقدر على حماية المصالح. بعض الأزمات يمكن منعها قبل أن تتحول إلى ملفات أمنية معقدة.

لا يسأل الناس على جانبي الحدود عن تفاصيل التفاهمات السياسية، بل عن أمن الطريق، وعن عبور الشاحنات، وعن زيارة الأقارب، وعن فرص العمل، وعن إقامة الأعراس. هذه هي المقاييس التي تمنح العلاقات معناها الحقيقي، حين تنعكس السياسة أمنًا وفرصًا وكرامة في حياة الناس.

السؤال الأعمق ليس كيف نحصل على ضمانات، بل كيف نبني ثقة تجعل الضمانات نتيجة لعلاقة مستقرة. ليس المطلوب أن تختفي المخاوف، بل ألا تتحول إلى قدر دائم، وأن تتحول دروس الذاكرة إلى أساس لعلاقة أكثر نضجًا وعدلًا. الهدف ليس إنهاء القلق تمامًا، بل منعه من أن يصبح اللغة الوحيدة بين الجارين، وترك للأجيال القادمة طريقًا إلى الحياة لا درسًا في الخوف.

شارك الخبر: