الانتخابات الإسرائيلية وغموض المستقبل: كيف تؤثر على سورية؟


هذا الخبر بعنوان "سورية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أسفرت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن مشهد سياسي شديد التعقيد، حيث فشل كل من معسكري بنيامين نتنياهو وبيني غانتس في حصد أغلبية برلمانية تمكن أياً منهما من تشكيل الحكومة بمفرده. وتثير هذه النتائج تساؤلات جوهرية حول مسار السياسة الإسرائيلية تجاه سورية، خاصة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل لتفاهمات أمنية تسعى دمشق من خلالها إلى عودة إسرائيل للالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974.
لكن السؤال الأهم لا يتمحور حول هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم أو طبيعة الحكومة الائتلافية التي سيقودها، بل حول قدرة أي تغيير حكومي في إسرائيل على إحداث تحول حقيقي في سياستها تجاه سورية، ومدى قدرة سورية على حماية نفسها من الاعتداءات الإسرائيلية، بغض النظر عن الجهة التي تتولى الحكم في إسرائيل.
منذ نهاية عام 2024، سعت إسرائيل إلى استغلال الوضع المستجد عقب سقوط نظام الأسد لإعادة تشكيل البيئة الأمنية على حدودها مع سورية. وقد ارتبط هذا التوجه بسياسات حكومة نتنياهو الأوسع نطاقاً، الهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة بأكملها بعد أحداث “طوفان الأقصى”، ولكنه لا يقتصر بالضرورة على هذه الحكومة، إذ لا تنفك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذر من محاولات إعادة بناء الجيش السوري، وتوسع النفوذ التركي، واحتمالات انضمام سورية إلى ترتيبات إقليمية معادية لها. ومن هذا المنطلق، فإن الخلاف بين القوى الإسرائيلية قد يتركز على أدوات التعامل مع دمشق أكثر من الأهداف الأمنية الأساسية المتفق عليها.
فقد توافق حكومة بقيادة غانتس، على سبيل المثال، على التفاوض والوساطة الأمريكية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة استعدادها للتخلي عن المطالب الأمنية الإسرائيلية. ولهذا، قد يكون من الأجدى لدمشق التركيز على معالجة نقاط الضعف الداخلية التي تسمح لإسرائيل بالتدخل في الشؤون السورية، واستغلال الانقسامات المجتمعية لفرض ترتيبات أمنية تنتقص من سيادتها، بدلاً من التعويل على تغيير الحكومة الإسرائيلية كمدخل كافٍ لتغيير سياستها تجاه سورية.
بناءً على ذلك، فإن تعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة المواطنة لم يعدا مجرد استحقاق مطلوب لأسباب سياسية وأخلاقية فحسب، بل أصبحا من المتطلبات الجوهرية لمواجهة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تفكيك سورية، بدءاً من الجنوب، حيث يظهر تطور الأوضاع في السويداء خطورة تحول الأزمات الداخلية إلى مدخل للتغلغل الإسرائيلي بذريعة حماية جزء من السكان. ولا يمكن مواجهة هذا التحدي بالخطاب الوطني وحده، أو الاكتفاء برفض التدخلات الخارجية، بل يتطلب معالجة الأسباب التي تولّد الخوف وانعدام الثقة بين الدولة وبعض مكونات المجتمع، بما في ذلك الانفتاح الجاد على أهالي السويداء، وقيام الدولة بمسؤوليتها في ضمان أمنهم وحقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت بحقهم، وإيجاد ترتيبات إدارية وأمنية تحظى بقبولهم، دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها.
وينبغي ألا يقتصر هذا النهج على السويداء، لأنها وجدت من يزعم “حمايتها”، بل يجب أن يتجاوزها ليصبح سياسة عليا للدولة تجاه مختلف مكونات المجتمع السوري، من الأكراد والعلويين والدروز والمسيحيين، وحتى السنة المختلفين مع توجهات السلطة الجديدة، على أساس المواطنة المتساوية. وهذا يتطلب توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، خصوصاً في إدارة المال العام والتصرف بموارد الدولة، وإخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية لسلطة القانون، وضمان ألا تتحول عملية إعادة بناء الدولة إلى إعادة إنتاج لاحتكار السلطة بصيغة جديدة.
هذا لا يعني أن تعزيز الوحدة الوطنية والرشد في حل التناقضات الداخلية سيؤدي تلقائياً إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية؛ فسياسة إسرائيل تجاه سورية تحكمها أيضاً اعتبارات استراتيجية تتجاوز الوضع الداخلي السوري. لكن التماسك الوطني يحرم إسرائيل من الذرائع ويفوّت عليها فرص التدخل، ويعزز الموقف التفاوضي السوري، ويزيد من قدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية. فهناك فرق كبير بين دولة تواجه التهديدات الخارجية وهي تعاني انقسامات داخلية عميقة، ودولة تستطيع الاعتماد على دعم مواطنيها ووقوفهم خلفها، رغم اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم. فأمن سورية لا يبدأ عند حدودها مع إسرائيل فقط، بل يبدأ أيضاً من علاقة الدولة بمواطنيها، ومن قدرتها على جعل جميع السوريين شركاء في بنائها، لا جماعات متناحرة تبحث عن الحماية خارجها. وبهذا يتحول بناء دولة المواطنة من مطلب إصلاحي إلى أحد أبرز مقومات الأمن الوطني، ويغدو العامل الأكثر أهمية في احتواء التهديد الإسرائيلي، بغض النظر عمن يحكم إسرائيل. (المصدر: العربي الجديد)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة