سوريا
ثقافة

الجامع الأموي بدمشق: رحلة عبر آلاف السنين من الأساطير إلى صروح الدولة العربية

syria.tv١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٢:١٨ م0 مشاهدة
الجامع الأموي بدمشق: رحلة عبر آلاف السنين من الأساطير إلى صروح الدولة العربية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أحمد إيبش يكشف أسرار الجامع الأموي: من معبد للآلهة إلى أعظم صروح الدولة العربية" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب دمشق القديمة، حيث تتجاور طبقات الحضارات وتتعاقب آثار المعتقدات والسلطات، يقف الجامع الأموي الكبير شاهدًا على تاريخ يتجاوز عمره الإسلامي المعروف، ليغوص في أعماق آلاف السنين من التحولات الدينية والسياسية والعمرانية. فمن معابد الآلهة السورية القديمة إلى المعبد الهلنستي والروماني، ومن الكنيسة المسيحية الكبرى إلى الجامع الذي شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ظل هذا الموقع مركزًا رمزيًا للحياة في دمشق؛ تتغير فيه أسماء الآلهة والحكام، وتتبدل أشكال العبادة والعمارة، بينما يبقى المكان محتفظًا بموقعه في ذاكرة المدينة.

هذه الرحلة التاريخية كانت محور حلقة من برنامج "شهادة للتاريخ" على تلفزيون سوريا، استضاف فيها الروائي والإعلامي إبراهيم الجبين المؤرخ والباحث الدكتور أحمد إيبش. عاد الدكتور إيبش إلى دمشق بعد غياب طويل امتد منذ عام 2008، ليقف مجددًا في رحاب الجامع الأموي، مستعيدًا تاريخ المكان، وكاشفًا عن نتائج أبحاثه المتعلقة بمراحل تشييده وتحولاته، وعن مشروع موسوعي يعمل عليه لتوثيق تاريخ الجامع من مختلف جوانبه. الحلقة، التي جرى تصويرها في الجامع الأموي نفسه، لم تتناول تاريخ البناء بوصفه معلمًا إسلاميًا فحسب، بل انطلقت من فكرة أن فهم هذا الصرح لا يكتمل من دون العودة إلى الحضارات التي سبقته، والديانات التي تعاقبت عليه، والتقاليد المعمارية التي أسهمت في تكوينه، وصولًا إلى اللحظة الأموية التي أعادت صياغة المكان ضمن رؤية عمرانية وسياسية جديدة.

استهل الجبين الحوار باستعادة حديث سابق جمعه بالدكتور إيبش بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، حين أخبره المؤرخ الدمشقي عن حلمه بإعداد موسوعة شاملة عن الجامع الأموي، تكون مرجعًا لتاريخ هذا الصرح وتحولاته عبر العصور. وبالنسبة إلى إيبش، الذي ألّف أكثر من 138 كتابًا وبحثًا في التاريخ والتراث، فإن العودة إلى الجامع الأموي بعد سنوات الغياب لم تكن زيارة عادية، بل عودة إلى المكان الذي شغل جانبًا كبيرًا من اهتماماته العلمية والوجدانية. وكشف إيبش أن مشروعه الموسوعي دخل بالفعل مرحلة التنفيذ، وأنه أنجز الجزء الأول منه، ويعمل على استكمال المادة التصويرية والتوثيقية، في إطار تعاون مع وزارة الثقافة السورية. وتقوم فكرة المشروع على تجاوز الدراسات التقليدية التي تناولت الجامع من زاوية محددة، نحو عمل يجمع التاريخ والآثار والعمارة والفنون والنقوش والوظائف الدينية والاجتماعية والسياسية، ويعيد قراءة الموقع باعتباره أحد المفاتيح الكبرى لفهم تاريخ دمشق وبلاد الشام. ويرى إيبش أن الجامع الأموي ليس مجرد بناء ارتبط بقيام الدولة الأموية، بل هو موقع تراكمت فيه طبقات متعاقبة من الحضارة الإنسانية، بحيث يصبح تاريخ المبنى مدخلًا إلى تاريخ المدينة نفسها.

قبل الإسلام والمسيحية: بعل السوري في قلب دمشق

انطلق الحوار إلى أقدم المراحل الدينية المعروفة للموقع، حين تحدث إيبش عن المعبد الذي كان مكرسًا للإله بعل، أحد أبرز آلهة المشرق القديم، والذي ارتبطت عبادته بالمطر والخصب والطبيعة. وأوضح أن سوريا كانت مركزًا أساسيًا لعبادة بعل، وأن جبل صفون، المعروف اليوم بجبل الأقرع، احتل مكانة مهمة في جغرافيا هذه المعتقدات، إلى جانب جبل حرمون، أو جبل الشيخ، الذي ارتبط بدوره بالتقاليد الدينية القديمة. ومن هذه الجغرافيا السورية، تتبع إيبش امتداد الرموز الدينية والأساطير نحو العالم المتوسطي، مستعرضًا أسماء الآلهة الكنعانية، مثل إيل وعشيرة وعنات، ومقارنًا بينها وبين المنظومات الدينية التي عرفها اليونانيون والرومان لاحقًا. وتوقف عند التحولات التي جعلت زيوس الإله الأبرز في المعتقدات اليونانية، ثم جوبيتر في الديانة الرومانية، مع استمرار حضور أنماط متقاربة من الرموز والعلاقات بين الآلهة في ثقافات البحر المتوسط. ولفت إيبش إلى أن تناول هذه المعتقدات القديمة من داخل الجامع الأموي يعكس إمكانية قراءة التاريخ الديني للمدينة بعيدًا عن الحساسية التي قد تنشأ من الحديث عن ديانات سبقت الإسلام والمسيحية. فالبحث في آلهة المشرق القديم، كما شرح، هو بحث في علم الآثار وتاريخ الفن والحضارة، وليس دعوة إلى إحياء معتقدات اندثرت منذ قرون. وفي هذا السياق، أكد أن اختزال تاريخ الجامع الأموي في المرحلة الإسلامية يحجب جزءًا بالغ الأهمية من تاريخ الموقع، الذي ظل مقدسًا في عيون سكان دمشق عبر عصور متعاقبة، حتى وإن اختلفت العقائد والشعائر المرتبطة به.

انتقل الحوار إلى المرحلة الآرامية، حيث أشار إيبش إلى إقامة معبد للإله حدد رمان، المرتبط بالمطر والعواصف، في سياق الحضور الآرامي القديم في دمشق. وطرح الجبين سؤالًا حول طبيعة العمارة الآرامية، مستعيدًا نقاشات سابقة مع ضيفه بشأن محدودية ما بقي من آثارها قياسًا إلى المنشآت الضخمة التي شيدها الرومان. وأوضح إيبش أن أبحاثه الميدانية الطويلة في دمشق لم تكشف عن أبنية آرامية متكاملة يمكن الاعتماد عليها لإعادة تصور عمارة المدينة في تلك الحقبة، وأن معظم الآثار المعمارية البارزة التي أمكن تتبعها تعود إلى مراحل لاحقة. ولا يعني ذلك غياب الآراميين عن تاريخ دمشق، بل يعكس صعوبة إعادة بناء صورتهم العمرانية استنادًا إلى الشواهد الباقية. ومن هذه النقطة انتقل الحوار إلى التحولات التي أعقبت فتوحات الإسكندر الأكبر، وانقسام إمبراطوريته بين خلفائه، حين أصبحت سورية تحت حكم السلوقيين، فيما حكم البطالمة مصر.

المفاجأة التاريخية: معبد زيوس سبق معبد جوبيتر

من أبرز المسائل التي طرحها الدكتور إيبش في الحلقة إعادة النظر في التاريخ المعروف للمعبد الذي سبق الكنيسة والجامع الأموي. فالمتداول في كثير من الدراسات أن الموقع كان يضم معبدًا رومانيًا ضخمًا مكرسًا للإله جوبيتر الدمشقي، غير أن إيبش قدم قراءة مختلفة استند فيها إلى أبحاثه في تاريخ العمارة الهلنستية. وأوضح أن المعبد لم ينشئه الرومان ابتداءً، بل يعود أصله، وفق نتائج بحثه، إلى عهد الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع إبيفانيس، الذي حكم في القرن الثاني قبل الميلاد. وكان المعبد مكرسًا لزيوس، وتحديدًا زيوس ثياندريوس، قبل أن يعيد الرومان تطويره وتوسيعه في مراحل لاحقة. وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أنها تعيد نسبة التأسيس المعماري للموقع إلى المرحلة الهلنستية، بدلًا من اعتبار المنشأة بأكملها نتاجًا للعهد الروماني. واستعرض إيبش العناصر المعمارية التي كانت تشكل المعبد، بما فيها الحيز المقدس الداخلي، والساحات والأروقة والنطاق الخارجي المحيط به، مستخدمًا مصطلحات العمارة الكلاسيكية لتفسير توزيع هذه العناصر ووظائفها. وبذلك تصبح العمارة الرومانية الظاهرة في بعض أجزاء الموقع امتدادًا لتكوين أقدم، لا بداية التاريخ المعماري للمكان.

الرومان يعيدون تشكيل قلب دمشق

مع دخول دمشق تحت الحكم الروماني سنة 64 قبل الميلاد، بدأت مرحلة جديدة من التطور العمراني، اتسمت بتوسيع المنشآت الدينية وإضفاء طابع معماري أكثر ضخامة عليها. وأشار إيبش إلى أن الأباطرة الرومان أسهموا في إعادة تشكيل دمشق الهلنستية، ولا سيما من خلال المداخل الحجرية الكبيرة والمنشآت المحيطة بالمعبد. وتوقف عند باب جيرون، أحد أشهر الأسماء المرتبطة بمداخل الجامع الأموي، متناولًا قِدم التسمية والخلافات المتعلقة بأصلها اللغوي. واستعاد في هذا السياق آراء أستاذه الباحث اللغوي أنيس فريحة، موضحًا أن لديه قراءات أخرى لأصل الاسم، تستند إلى أبحاث لم يتسع وقت الحلقة لاستعراضها. كما تناول الأدوار العمرانية المرتبطة بعهد سيبتيميوس سيفيروس وابنه الإمبراطور كركلا، معتبرًا أن المقارنة بين المنشآت الهلنستية والرومانية تكشف عن اختلاف واضح في الأحجام وأساليب البناء. وبالنسبة إلى إيبش، فإن دراسة هذه التحولات لا تقتصر على تاريخ الفن، بل تساعد على فهم الكيفية التي أعادت بها القوى السياسية المتعاقبة تشكيل المركز الديني والعمراني للمدينة.

من المعبد الوثني إلى الكاتدرائية المسيحية

شهد الموقع تحولًا دينيًا حاسمًا في أواخر القرن الرابع الميلادي، مع انتشار المسيحية وتغير موقعها داخل الإمبراطورية الرومانية. وهنا توقف إيبش عند خطأ تاريخي شائع يتعلق بالإمبراطور قسطنطين، موضحًا أن الإجراءات التي اتُّخذت سنة 313 ميلادية لم تجعل المسيحية دين الدولة الرسمي، وإنما أتاحت حرية ممارسة الديانة المسيحية إلى جانب غيرها. أما التحول إلى الدين الرسمي للإمبراطورية، فقد ارتبط بعهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، وما رافقه من إجراءات ضد العبادات الوثنية. وفي هذا السياق، تحول المعبد القديم في دمشق إلى كنيسة مسيحية. لكن إيبش ميّز بين المراحل المختلفة لهذا التحول، مشيرًا إلى أن الكنيسة لم تتخذ شكلها النهائي دفعة واحدة، بل مرت بتطورات عمرانية ودينية، بدأت ببناء بازيليكي قبل أن تتوسع وتتحول إلى كاتدرائية كبرى. واستند في تتبع هذه المراحل إلى مصادر بيزنطية، بينها كتابات المؤرخ يوحنا مالالاس، الذي أورد أخبارًا تتعلق بتاريخ الكنائس والتحولات الدينية في المشرق. وقد أصبحت كنيسة دمشق من أبرز المراكز الدينية المسيحية في المنطقة، واحتلت مكانة رفيعة ضمن جغرافيا الكنائس الشرقية، إلى جانب المركز الكنسي الكبير في أنطاكية.

اللغة اليونانية وأثر دمشق في تاريخ المسيحية

لم يقتصر النقاش على تاريخ العمارة، بل امتد إلى تاريخ اللغات والنصوص الدينية. فقد شرح إيبش أن اللغة اليونانية كانت اللغة الثقافية والدينية الأساسية في المشرق المسيحي، وأن النصوص المقدسة كانت متداولة بها على نطاق واسع، بما في ذلك الترجمة السبعينية للعهد القديم. وتناول أيضًا تاريخ انتقال الكتاب المقدس إلى اللاتينية، متوقفًا عند البابا داماسوس الأول، ودوره في تكليف جيروم بإعداد الترجمة التي عُرفت لاحقًا باسم «الفولغاتا». وأتاح هذا المحور للجبين التوقف عند الجانب اللغوي في شخصية ضيفه، الذي يتقن ثماني لغات ويتعامل مع أربع عشرة لغة في أبحاثه وترجماته، وهي قدرة تمنحه إمكانية الرجوع إلى المصادر التاريخية بلغاتها المختلفة. وربط إيبش بين المعرفة اللغوية والبحث الأثري والتوثيق البصري، معتبرًا أن الجمع بين هذه الأدوات يفتح آفاقًا جديدة أمام المؤرخ، ويتيح له إعادة قراءة النصوص والشواهد بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدراسات المنقولة.

أين صلى المسلمون أول مرة في دمشق؟

مع الانتقال إلى الفتح الإسلامي، طرح الحوار مسألة تاريخية تتعلق بأول مسجد أقامه المسلمون في دمشق. فخلافًا للاعتقاد الذي يربط بداية الوجود الإسلامي العمراني في المدينة بالجامع الأموي، أوضح إيبش أن المسلمين اتخذوا موضعًا للصلاة قبل بناء الجامع الكبير. وحدد موقع هذا المسجد الأول بالقرب من الباب الشرقي، مشيرًا إلى ارتباطه باسم خالد بن الوليد، الذي دخل دمشق من الجهة الشرقية، في حين ارتبط دخول أبي عبيدة بن الجراح بالجهة الأخرى من المدينة. واستعرض إيبش نتائج زيارة ميدانية أجراها سنة 1985 إلى الموقع الذي نسبه إلى مسجد خالد بن الوليد، حيث عثر على شواهد معمارية ونقوش تعود إلى العصور السلجوقية والأيوبية، فضلًا عن بقايا أرضيات وجدران قديمة. وأظهرت تلك الشواهد، بحسب قراءته، تعاقب طبقات البناء والردم في الموقع، وما تعرض له من تغيرات بفعل الزمن والعوامل الطبيعية. وأشار إلى اهتمامه آنذاك بلفت أنظار الجهات المختصة إلى أهمية المكان، بوصفه شاهدًا على المرحلة الإسلامية الأولى في دمشق. وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أنها تفصل بين بداية ممارسة المسلمين شعائرهم داخل المدينة وبين المشروع المعماري الضخم الذي ظهر لاحقًا في عهد الوليد بن عبد الملك. توقف الحوار أيضًا عند الروايات التاريخية المتعلقة بدخول المسلمين دمشق، وما تضمنته من حديث عن دخول خالد بن الوليد من جهة، وأبي عبيدة بن الجراح من جهة أخرى. واستعاد إيبش ما أورده المؤرخ الدمشقي الحافظ ابن عساكر بشأن هذه الوقائع، ولا سيما الروايات المرتبطة بمنطقة الكنيسة القديمة وموقع التقاء القوات الإسلامية داخل المدينة. وأثار هذا الجانب مسألة الفتح صلحًا أو عنوة، وهي من القضايا التي شغلت المؤرخين والفقهاء، لما ترتب عليها من أحكام تتعلق بالمدينة وسكانها وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم. كما تناول استمرار حضور التراث المسيحي في الموقع، ومنه النقوش اليونانية الدينية التي بقيت شاهدة على مراحل سابقة من تاريخه. ومن خلال هذه التفاصيل، رسم الحوار صورة لدمشق في لحظة انتقال كبرى، لم تكن مجرد تبدل في السلطة السياسية، بل بداية لتحولات طويلة في المؤسسات الدينية والعمرانية والاجتماعية.

الجامع الأموي: صرح الدولة العربية

مع استقرار الدولة الأموية واتساع رقعتها، دخلت دمشق مرحلة جديدة من تاريخها بوصفها عاصمة لإمبراطورية امتدت من المشرق إلى شمال أفريقيا والأندلس. واستعرض إيبش المرحلة المروانية، متوقفًا عند شخصية الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي أدى دورًا أساسيًا في تعزيز مؤسسات الدولة وتطوير هويتها العربية والإسلامية. ومن أبرز المنجزات المعمارية التي ارتبطت بعهد عبد الملك بناء قبة الصخرة في القدس، التي عدّها إيبش من أهم الأبنية الإسلامية المبكرة، وأحد المنعطفات الكبرى في تاريخ العمارة الإسلامية. ثم جاء ابنه الوليد بن عبد الملك، الذي اتخذ القرار التاريخي بإنشاء الجامع الأموي الكبير في دمشق. ولم يكن هذا المشروع، كما عرضه إيبش، مجرد استجابة لحاجة دينية، بل تعبيرًا عن طموح الدولة الأموية إلى إقامة صرح معماري يليق بعاصمتها ومكانتها السياسية. فبعد أن شهدت القدس مشروع قبة الصخرة، أراد الوليد أن يمنح دمشق بناءً استثنائيًا، يجمع بين الوظيفة الدينية والهيبة المعمارية. واستغرق تشييد الجامع سنوات طويلة، واحتاج إلى موارد مالية وبشرية وفنية ضخمة. وأشار إيبش إلى الروايات التي تذكر أن تكاليف البناء بلغت اثني عشر مليون دينار، وهو مبلغ يعكس، بصرف النظر عن دقة تقديره التاريخي، الحجم الاستثنائي للمشروع في الذاكرة العمرانية الإسلامية.

رجاء بن حيوة والعبقرية المعمارية الأموية

خصص إيبش جانبًا من حديثه لشخصية رجاء بن حيوة، التي ربطها بالمشروعات العمرانية الكبرى في العصر الأموي، وبالدور الذي أداه أصحاب الخبرة والتصور الهندسي في إنتاج عمارة إسلامية جديدة. واعتبر أن الحديث عن تاريخ العمارة الإسلامية لا ينبغي أن يبدأ بالأسماء الشهيرة في العصور المتأخرة، مثل المعمار سنان في الدولة العثمانية، بل يجب أن يعود إلى المرحلة الأموية التي شهدت إنجازات معمارية بالغة الأهمية. وأوضح أن بناء الجامع الأموي استفاد من الخبرات والتقاليد الفنية التي كانت سائدة في العالم البيزنطي والهلنستي والروماني، بما فيها أساليب البناء والزخرفة والفسيفساء. غير أن أهمية الجامع لا تكمن في استعارة تلك العناصر منفردة، بل في جمعها ضمن تكوين معماري متكامل لم يكن مجرد نسخة عن أي بناء سابق. وفي معرض المقارنة، تناول إيبش كنيسة سانت أبوليناري نوفو في مدينة رافينا الإيطالية، التي تقارن بعض الدراسات بينها وبين الجامع الأموي من حيث العناصر الفنية والزخرفية. لكنه رأى أن المقارنة لا تكفي لتفسير خصوصية الجامع، لأن البنّائين الأمويين استطاعوا توظيف تقاليد فنية متعددة في عمل يحمل شخصيته المعمارية الخاصة. وهكذا أصبح الجامع الأموي أحد أبرز التعبيرات عن نضج العمارة الإسلامية المبكرة، وقدرتها على استيعاب الموروث الحضاري السابق وإعادة إنتاجه ضمن رؤية جديدة.

الجامع الأموي: تاريخ دمشق في مكان واحد

تكشف القراءة التي قدمها الدكتور أحمد إيبش في «شهادة للتاريخ» عن موقع استثنائي في تاريخ المدن، حيث لم يؤدِّ تغير الدين أو السلطة إلى محو ذاكرة المكان، بل أضاف في كل مرحلة طبقة جديدة إلى تاريخه. ففي الموضع الذي ارتبط يومًا بعبادة بعل وحدد، أقيم معبد زيوس، ثم تطورت منشآته في العهد الروماني، قبل أن يتحول إلى مركز مسيحي كبير، وصولًا إلى الجامع الذي أصبح أحد أشهر المعالم الإسلامية في العالم. وهذه الاستمرارية تمنح الجامع الأموي مكانة تتجاوز قيمته المعمارية والدينية، ليصبح وثيقة تاريخية حية عن دمشق، وعن قدرة المدينة على استيعاب التحولات الكبرى من دون أن تفقد مركزيتها الحضارية. ومن هنا تبدو أهمية المشروع الموسوعي الذي يعمل عليه إيبش، والذي يسعى إلى جمع تاريخ المكان في عمل واحد، يستند إلى الوثائق والنقوش والآثار والصور والمصادر المكتوبة بلغات متعددة. ولعل أبرز ما قدمته الحلقة هو إعادة طرح السؤال عن كيفية قراءة التراث: هل نكتفي بتاريخ المبنى منذ اللحظة التي اكتسب فيها هويته الدينية الراهنة، أم نعود إلى جميع المراحل التي صنعت المكان ومنحته قيمته الاستثنائية؟ اختار إيبش الطريق الثاني، مقدمًا الجامع الأموي بوصفه خلاصة تاريخ طويل من التراكم الحضاري، ومعتبرًا أن المعرفة بالماضي السابق للإسلام لا تنتقص من مكانة الجامع، بل تضيف إلى قيمته التاريخية، وتكشف عمق الجذور التي قامت عليها دمشق. وفي نهاية الجزء المتاح من الحوار، فتح الجبين بابًا آخر من أبواب تاريخ المدينة، حين انتقل إلى سيرة عائلة إيبش وحكاية قدوم أحد أجدادها إلى دمشق في مرحلة أعقبت غزو تيمورلنك، في انتقال من تاريخ الحجر والعمارة إلى تاريخ البشر والعائلات التي صنعت ذاكرة المدينة. ومن جمال باشا ودوره في التحولات السياسية بين العرب والأتراك من قلب دمشق، إلى دور الحركة الصهيونية وتأثيرات ذلك في الجانب الاجتماعي والسكاني في سوريا. وبين التاريخين، تاريخ المكان وتاريخ الإنسان، تتجلى دمشق مدينةً لا يمكن اختزالها في عصر واحد، ولا في سلطة واحدة، ولا في طبقة واحدة من طبقات عمرانها. فالجامع الأموي، كما تكشف هذه الرحلة، ليس مجرد بناء شهد التاريخ، بل مكان شارك في صناعته، وظل عبر القرون أحد أبرز الرموز التي تختزن حكاية دمشق وتحولاتها الكبرى.

شارك الخبر: