سوريا
اقتصاد

البنك المركزي السوري يشدد قبضته على سوق الصرافة: اختبار حقيقي أمام التدفقات الشمالية

enabbaladi.net١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٦ ص0 مشاهدة
البنك المركزي السوري يشدد قبضته على سوق الصرافة: اختبار حقيقي أمام التدفقات الشمالية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الصرافة القادمة من الشمال أمام اختبار “المركزي” السوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشهد قطاع الصرافة والحوالات المالية في سوريا حاليًا مرحلة إعادة هيكلة وتنظيم شاملة، يقودها مصرف سورية المركزي بالتعاون مع وزارة الداخلية، بهدف الحد من التعاملات غير النظامية والسيطرة على سعر الصرف. وفي هذا السياق، نفذ المركزي بالاشتراك مع وزارة الداخلية والضابطة العدلية حملات تفتيش واسعة شملت معظم المحافظات السورية، وأسفرت عن توجيه 755 إنذارًا لمنشآت ومحال تمارس أعمال الصرافة أو تحويل الأموال دون ترخيص أو تتجاوز صلاحياتها، وذلك بموجب أحكام المادة 25 من القانون رقم 24 لعام 2006 وتعديلاته.

ومن بين الإجراءات الجديدة التي فرضها المركزي، فرض عقوبات مالية وإنذارات بحق شركات ومكاتب الصرافة التي تعمل بعد ساعات الدوام الرسمية المحددة في الخامسة مساءً. ويرى أحد مديري شركات الصرافة في دمشق، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن هذا الإجراء يساهم في اتساع نشاط السوق الموازية بعد ساعات الإغلاق، مما يؤدي إلى تذبذب سعر الصرف. كما يؤدي إلى الازدحام والتراكم لدى العملاء خلال ساعات الدوام الرسمي، مما يؤخر حركة السيولة النقدية وتأمين المشتريات اليومية للأسواق، وينشئ حالة من الضبابية لدى التجار في تسعير البضائع والسلع الأساسية بسبب وجود سعرين للصرف.

يبلغ عدد مؤسسات الصرافة المرخصة رسميًا المسجلة لدى البنك المركزي حوالي 40 شركة ومكتب صرافة، منها 11 إلى 14 شركة كبرى وعدد من المكاتب التضامنية. ويرتبط التركيز الحالي للمصرف المركزي على تنظيم سوق الصرافة وحظر الأنشطة غير المرخصة أو الممتنعة عن تسوية أوضاعها (26 شركة ومكتبًا قادمة من الشمال السوري) بمزيج من الضغوط والشروط الدولية والضرورات الاقتصادية المحلية الرامية إلى إعادة دمج سوريا بالنظام المالي العالمي.

وتشير جولات ولقاءات مسؤولي المالية والمركزي السوري إلى أن المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، والبنك الفيدرالي الأمريكي، لا تمنح موافقات لفك العزلة المالية عن سوريا أو تفعيل علاقات البنوك المراسلة دون تطبيق صارم لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتشترط وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) والفيدرالي الأمريكي، لإعادة ربط المصارف السورية بشبكة “SWIFT” والمنظومة المصرفية الدولية، التأكد من أن سوق الصرافة والتحويلات الخارجية في سوريا لا تضم مسارات مالية موازية أو شبكات ظل غير خاضعة للرقابة. وتركز توصيات صندوق النقد الدولي دائمًا على ضرورة القضاء على السوق الموازية غير النظامية وحصر التعامل بالمنظومة المصرفية الرسمية المعتمدة.

ألزم المصرف المركزي جميع شركات ومكاتب الصرافة والحوالات العاملة في محافظة الرقة والمناطق الشرقية والشمالية الشرقية بمهل محددة لتوفيق أوضاعها وأسماء شركائها ونشاطها المالي لربطها بالمنظومة الوطنية المعتمدة. وعقب وقفة احتجاجية لأصحاب هذه الشركات والمكاتب، تم الاتفاق مع المركزي ومحافظة الرقة على حصر عمليات تحويل الأموال وصرف العملات الأجنبية بالمكاتب والشركات التي تحصل على موافقات أصولية من المركزي، وإغلاق المحال والمكاتب العشوائية غير المرخصة، واشتراط تقديم وثائق الإفصاح عن مصدر الأموال وإيداع الوديعة القانونية بالقطع الأجنبي لدى المصرف المركزي.

يمتلك أصحاب الشركات والمكاتب في الرقة تراخيص رسمية وإيداعات مالية سابقة لدى الإدارة المالية السابقة التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وينص قرار المركزي السوري رقم “199 ل أ” على ضرورة تقديم الشركة ما يُشعر بإيداع مبلغ 1.25 مليون دولار أمريكي على الأقل في الحساب المفتوح باسم المؤسسة لدى المركزي، ويعتبر هذا المبلغ جزءًا من رأسمال الشركة المدفوع.

يشير الخبير الاقتصادي والمالي السوري الدكتور إبراهيم نافع قوشجي إلى أن إدارة السوق النقدية في سوريا تتجه نحو مرحلة مفصلية، وأن تنظيم قطاع الصرافة والحوالات يعني ضبط الأطراف الفاعلة، وليس فرض السعر. فالغاية من التنظيم هي إرساء إطار رقابي مالي لضمان بيئة عمل آمنة وسليمة، ولا تستهدف التدخل المباشر لتحديد وتوجيه أسعار الصرف. وتستهدف المرحلة الجديدة إحكام الرقابة الفعالة والمباشرة على كل من يمارس أنشطة التصريف وتحويل الأموال داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك المؤسسات المرخصة المخالفة، والجهات غير المرخصة، وشبكات الحوالات العشوائية، والوساطات المالية غير الموثقة.

لا يرتبط الهدف الأساسي للمركزي في رقابته على سوق الصرافة بمحاولات تعزيز قيمة الليرة بمواجهة الدولار، بل بتنقية البيئة النقدية. ويمثل تنظيم سوق صرافة العملات في سوريا عملية إعادة تأسيس ترتكز على ترسيخ الالتزام بالقوانين، وحماية التعاملات من التشوهات والشفافية، وتحجيم الأنشطة غير النظامية، وتوطيد علاقة منضبطة وواضحة بين السوق والمصرف المركزي.

يقدر الدكتور قوشجي حجم التداول اليومي للقطع الأجنبي في المدن الكبرى كالتالي: في دمشق يتراوح بين ثمانية ملايين و12 مليون دولار أمريكي، وقد يصل إلى 15 مليون دولار في فترات الذروة. وفي حلب يتراوح بين أربعة ملايين وستة ملايين دولار أمريكي. وتغطي هذه الأرقام إجمالي التعاملات في السوقين النظامية وغير النظامية. ورغم أن السوق غير المشروعة لا تطغى كليًا على السوق النظامية، فإنها تشكل منافسًا قويًا لها يعتمد على السرعة وغياب الضوابط، ما يجعل ضرورة ضبط الفاعلين في سوق صرافة العملات الأجنبية أمرًا حتميًا لإعادة التوازن.

يوضح الخبير الاقتصادي السوري أن سعر الصرف يعد انعكاسًا لتوازنات واختلالات الاقتصاد الكلي البحتة، وتتحدد هذه التوازنات بالاستناد إلى مؤشرات مثل حجم الاحتياطيات الأجنبية، ومستويات الإنتاج المحلي والتجارة الخارجية، ومعدلات التضخم، ومستوى الثقة العامة بالاقتصاد. وبناء عليه، يمثل تنظيم الأطراف المصرفية العاملة في السوق السورية شرطًا مسبقًا وبنيويًا لنجاح أي سياسة نقدية، ولكنه لا يعتبر أداة لتغيير السعر أو إدارته بشكل مباشر. وتشكل خطوات المركزي بمجملها، سواء كانت بدافع توصيات دولية أمريكية أو في إطار ضبط سعر صرف الليرة، خطوة هيكلية تستلزم تأهيل البنية المالية والنقدية في سوريا، بهدف جعل السوق أكثر استقرارًا وأقل عرضة للمضاربة، وتمهيد الطريق مستقبلًا أمام تطبيق سياسات نقدية أكثر كفاءة متى اكتملت ظروفها الاقتصادية.

شارك الخبر: