سوريا
سياسة

ضربات درعا الأردنية: قرار متسرع يهدد أمن البلدين ويخترق السيادة السورية

حرية برس٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٤ م0 مشاهدة
ضربات درعا الأردنية: قرار متسرع يهدد أمن البلدين ويخترق السيادة السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ضربات درعا.. قرار متعجل يضر بأمن الأردن وسوريا" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد سوريا تحديات مستمرة في مسيرتها نحو البناء، حيث تتعرض لاختبارات قاسية لإرادة السوريين في مواجهة الصعاب. كان آخر هذه الأحداث الأليمة استشهاد مدنيين أبرياء في غارات جوية شنها سلاح الجو الأردني على مناطق بريف درعا، بحجة استهداف مواقع لجماعات إرهابية. هذه الهجمات الدموية، التي شكلت فاجعة إنسانية، وضعت العلاقات السورية الأردنية على المحك، وأثارت صدمة لدى السوريين الذين لطالما اعتبروا الأردن ملاذاً آمناً وشريكاً موثوقاً في الأمن والاستقرار بعد مرحلة التحرير وسقوط النظام السابق.

تتطلب تداعيات هذه الضربة الجوية الأردنية قراءة متأنية في سياقها الأمني والسياسي والقانوني. فالعملية لا تمثل خرقاً للسيادة السورية فحسب، بل تكشف عن بنية قرار متعجل اتُخذ تحت ضغط داخلي أردني ومعلومات غير دقيقة. ولا يمكن استبعاد فرضية سعي أطراف معينة إلى توتير العلاقات السورية الأردنية لتحقيق مصالح خاصة.

تكشف القراءة الأمنية المتأنية أن القرار الأردني، الذي يُفترض أنه استند إلى معلومات استخباراتية قابلة للتشويه، ربما بُني على معلومة مغرضة قُدّمت لصاحب القرار بطريقة تستغل حاجته إلى رد فعل سريع. وقد تبنى الأردن الضربات علناً وعلى كافة المستويات قبل التحقق من نتائجها على الأرض، مما يوحي بحضور قوي للبعد الإعلامي الداخلي في توقيت الإعلان، إن لم يكن في التخطيط نفسه.

من قراءة أعمق، نجد أن القوى الأمنية الأردنية ألقت القبض على منفذي هجوم كنيسة الكرك يوم الإثنين، ويبدو الفاصل الزمني بين الاعتقال وتنفيذ الضربات في سوريا مساءً قصيراً جداً مقارنة بما تتطلبه عملية تدقيق المعلومات ومقاطعتها بمصادر موثوقة لبناء قرار سيادي خطير. إن قصف مواقع في دولة مجاورة يتطلب تقديراً كاملاً للتهديد، وتشاوراً سياسياً، وتحضيراً عملياتياً، وهي مراحل يصعب استكمالها في ساعات قليلة، مما يجعل القرار مبنياً على تقدير غير ناضج.

يضاف إلى ذلك غياب التنسيق مع الجانب السوري وإبلاغ دمشق عبر القنوات القائمة لطلب معالجة المعلومات والتهديدات داخلياً، أو على الأقل تنسيق التحرك الميداني. وهذا يشير إلى خلل إجرائي في إدارة القرار، ويطرح أسئلة مشروعة حول سبب الاستعجال، والجهة التي قدمت المعلومة، ومدى دقتها، والمسؤولية عن الأساس غير الصلب الذي بُنيت عليه الضربات.

إن استسهال قصف العمق السوري لامتصاص غضب داخلي هو تكتيك قاصر يضر بأمن البلدين واستقرار المنطقة، ويهدم جسور الثقة التي بُنيت بجهد كبير.

على المستوى القانوني، فإن حماية الأمن القومي لا تدار باستنساخ الانتهاكات أو استسهال قصف الدول المجاورة. فالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة تضع محددات صارمة تحظر أي تحرك عسكري استباقي خارج الحدود، وتعتبر التذرع بالهواجس الأمنية دون موافقة رسمية وتنسيق مسبق خرقاً لأسس الاستقرار والسيادة.

الهجمات نُفذت دون أي تنسيق مسبق مع الجانب السوري، بحسب ما أكدته وزارة الخارجية السورية وبيان الحكومة، وهذا جوهر المسألة القانونية. فحتى لو سلّمنا بوجود تهديدات، فإن مواجهتها داخل أراضي دولة أخرى تتطلب إما موافقة تلك الدولة أو تفويضاً دولياً. ويضيف القانون الدولي الإنساني طبقة أخرى من الحماية من خلال وجوب الالتزام بمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الاحتياطات اللازمة لتجنب إيذاء المدنيين. وسقوط نساء وأطفال في ريف درعا يشير إلى عدم احترام هذه المبادئ، مما يجعل هذه الضربات العشوائية تجاوزاً خطيراً للأعراف الدولية.

على الصعيد السياسي، يعبر الغضب السوري الرسمي والشعبي عن خشية مبررة من أن تصبح الردود العسكرية العشوائية المتعجلة وسيلة لتصدير الأزمات الداخلية. والسوريون، إذ يدينون الإرهاب الذي ضرب الكرك، لا يقبلون تحويل التعاطف مع ضحايا الأردن إلى دماء سورية. ويتأسس الموقف السوري على منطلق سيادي وأخلاقي، فلا يقبل تجاوز الحدود والقيام بعمليات عسكرية تزهق أرواح مدنيين أبرياء تحت شعار مكافحة التطرف، خاصة أن السلطات السورية قادرة على التحرك بمفردها أو بالتنسيق مع الطرف الأردني لمواجهة التهديدات، وهو تنسيق مجرب سابقاً وحقق نتائج إيجابية.

تشكل هذه الضربات وما خلفته من ضحايا مدنيين خطراً جدياً على العلاقات السورية الأردنية، التي شكلت بعد تحرير سوريا من نظام الأسد مثالاً ناجحاً للعمل العربي المشترك. ويشير بيان وزارة الخارجية السورية إلى خطر سعي أطراف مشبوهة لتعكير صفو العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين. وتؤكد إدانة السلطات السورية لهذه الهجمات والمطالبة بفتح تحقيق، التزامها بتفعيل الأدوات السيادية القانونية، ولا يعني ذلك الانزلاق إلى التحريض أو قطع الجسور مع المملكة الأردنية، التي تدرك سوريا أهمية التعاون معها لضمان الأمن الإقليمي واستقرار البلدين.

شارك الخبر: