سمير السباعي: آخر حراس مهنة العقادة التقليدية في حمص ووداع خيوط الماضي


هذا الخبر بعنوان "آخر حراس الخيط .. سمير السباعي وحكاية “العقّاد” الأخير في حمص" نشر أولاً على موقع الخبر وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زقاق ضيق على كتف حمص القديمة، يخترق صوت مقص سمير السباعي هدوء السوق المسقوف. هذا الصوت، الذي كاد يطويه النسيان، يصرّ عليه الرجل الستيني ليبقي شعلة مهنة العقادة متقدة، حتى وإن بقي وحيداً كآخر عقّاد يحرس الخيط في وجه التقدم التكنولوجي.
يعتقد الزوار أن كلمة "العقّاد" المطرزة بالخط العريض أعلى متجره تدل على كنية سمير، كمعظم المهن التراثية كالحداد والنجار. لكنه في الحقيقة سباعيٌّ حمصي المنشأ والهوا، عقّادٌ أباً عن جد.
يظل العقّاد الأخير مبتسماً، يتكلم باللهجة الحمصية المحبوبة، لكن خفة ظله تتحول إلى تنهيدة طويلة، لا بسبب الأوضاع الاقتصادية، بل لتراجع عدد العاملين بهذه المهنة حتى كادت تندثر.
يقول سمير لمنصة الخبر: "خلقان فيا لهاي المهنة". مضيفاً: "أعمل في هذه المهنة منذ 50 عاماً مضت، وكنت آتي إلى محل والدي بعمر العاشرة الذي كان بدوره عقّاداً ماهراً في زمن لم تكن فيه أدوات بما فيها الأنوال، وكان كل العمل يتم باليد".
ويكمل السباعي: "نعمل حالياً بصنع الشراشيب والشرّابات، بينما تركز معظم العمل سابقاً على الحرير الذي يتحور كما تريد، فكان منه الحرير النباتي وآخر صاغ كما نسميه، بينما كان يوجد قديماً حرير خاص بصنع الحطايط، لكنهم باتوا الآن يضعون مواد صناعية مثل (دي أم سي) عوض عنه".
حاملاً قطعة قماشية بين يديه ليظهر فيها المخرز و(الشباشيل) التي تصنع عبره بدقة متناهية، يبيّن العقّاد الحمصي أن مهنته تتركز بصناعة الخيوط والأشرطة المفتولة والمتماسكة التي تستخدم في تطريز وزينة الألبسة التقليدية والستائر والمفروشات والمسابح. ويتم إدخال هذه الخيوط والأشرطة في أعمال الزينة اليدوية التي تتطلب دقة ومهارة في الفتل والحياكة.
"كل شي فرق عن الماضي" يكمل سمير، ويأسف لتبدل أحوال المهنة والحياة بشكل عام. فهناك منتجات اختفت تماماً، إذ كان يوجد للكلابيات ما يسمى "بريم" يتم صنعه بالإبرة، لكن ذلك تغير وأصبحت المكنات هي المعامل الأساسي بالانتاج. والأمر ذاته للخِرْج. إلا أن المتغير الأساسي هو تعامل الناس نتيجة صعوبة المعيشة وارتفاع التكاليف.
مع مخرزه المرافق له دوماً في محله، يتابع العقّاد لمنصة الخبر: "كما تغيرت أصول المهنة، فمثلاً أصبح المنجد يضع نايلون عوض الخيط الأصلي للفرشات، وكما قلت سابقاً ما يؤلم حقيقة هو تغير تعامل الناس أكثر من المهنة بحد ذاتها".
(المغزل والمخرز الطيار والشلة) تسميات لتفاصيل عمل لا يعرفه الكثير من أبناء الجيل الحالي، يقول سمير. ولعل أهمها (الطيار) الذي كانت توضع عليه (الشلة) بشكل دائري ليسحب منه الخيط، علماً أن كل ذلك العمل كان يتم بشكل يدوي.
"العقادة هويتي.. هون ريحة أبي" يصف سمير ارتباطه بمهنته. فهو لم يعمل بغيرها ولن يفعل رغم جميع فرص العمل التي توفرت، إذ أن الخيط أصبح جزءاً من كياني وشخصيتي لا يمكن فصله أبداً، يقول العقّاد.
والرسالة مزدوجة، يكمل سمير. أولها للعاملين بالمهن التراثية بأن يطيل الله في أعمارهم. والثانية للجيل الحديث وأهاليهم بألا يتخلوا عن المهن القديمة، بل عليهم نقل خبراتهم إلى الأجيال القادمة كي لا تندثر كما حصل للعديد منها، فهي روح المدينة وتاريخها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة