سوريا
سياسة

القوانين ليست قديمة.. بل «ترقيعها» المستمر هو المشكلة!

syriahomenews٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ ص0 مشاهدة
القوانين ليست قديمة.. بل «ترقيعها» المستمر هو المشكلة!

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لا يعيب القوانين قدمها.. بل كثرة «الترقيع التشريعي»!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: محمد الخطيب

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة وحضوري لمئات الاجتماعات والفعاليات، لاحظت أن معظم الأنشطة تنتهي بسيل من التوصيات، وأكثر ما أثار انتباهي هو التكرار المزمن للمطالبة بتعديل القوانين. يبدو أن كل طرف يسعى لسنّ قانون مفصّل على مقاسه، وكأن القوانين أصبحت كالبدلات الموسمية تُفصَّل حسب رغبة الزبون لا مصلحة الدولة. الغريب أن هذه المطالب كانت تمرّ غالباً دون تحفظ من رعاة المؤتمرات، وتُدوّن في محاضر الجلسات لتُرسل لاحقاً إلى الجهات الوصائية، حيث تتراكم التوصيات حتى تحتاج إلى قانون خاص لتنظيم أرشيف المطالبات بتعديل القوانين!

المشكلة ليست في القانون بحد ذاته، بل في عدم الإلمام به. فمعظم المطالبين بالتعديل لم يطّلعوا على نصوص القوانين النافذة؛ بعضهم لم يقتنِها، وآخرون لم يقرؤوها، ولو فعلوا لاكتشفوا أن كثيراً مما يطالبون به موجود بالفعل. فالقوانين والأنظمة تنظم كل شيء تقريباً: شؤون الدولة والمؤسسات، العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية، بل وحتى علاقات الناس ببعضهم البعض وبمؤسسات الدولة. لكن يبدو أن البعض يتعامل مع القانون كما يتعامل مع «كتالوج الأجهزة الكهربائية»: لا يفتحونه إلا بعد وقوع العطل!

الرواتب ليست مادة في قانون العقوبات!

في الواقع، معظم المسائل التي يسعى المطالبون إلى معالجتها لا تقع أصلاً ضمن نطاق القوانين التي يطالبون بتعديلها. فإذا كانت المطالب تتعلق بالرواتب والتعويضات والخدمات، وتأمين مستلزمات الزراعة والصناعة والتعليم والاستيراد والتصدير، فإنها تُعالج عادةً بمراسيم وقرارات إدارية، لا بإعادة كتابة القوانين الأساسية للدولة. لكن بعض المؤتمرات كانت تتعامل مع التشريع وكأنه «زر إعادة تشغيل شامل»، يكفي الضغط عليه لحلّ الأزمات الاقتصادية والمعيشية والإدارية كلها دفعة واحدة!

قوة القانون في ثباته، لا في كثرة ترقيعه

على المطالبين بالتعديل أن يدركوا أن قوة القانون تكمن في استقراره وثباته؛ لأن كثرة التعديلات تُضعف هيبته وتربك تطبيقه. فقوانين العقوبات والمدني والتجاري تعود في أصولها إلى عام 1949، ومع ذلك، ما تزال تشكّل قاعدة قانونية متماسكة، يدرك رجال القانون قيمتها أكثر من غيرهم. فالقانون ليس تطبيقاً هاتفياً يُحدَّث كل أسبوع، ولا برنامجاً تجريبياً يخضع للتعديل مع كل مزاج إداري أو مطلب موسمي!

تفريخ قوانين.. حتى ضاع القاضي بين الفروع!

اللافت أن بعض التعديلات التي طالت القوانين لم تكن مرتبطة بمطالب المؤتمرات الشعبية أو المهنية، بل كانت أقرب إلى عملية «تفريخ تشريعي» لقوانين جديدة أحدثت ارتباكاً كبيراً لدى رجال القانون، من قضاة ومحامين وإداريين. فأصبحت كل قضية تحتاج إلى رحلة بحث طويلة بين التعديلات والاستثناءات والقوانين الخاصة المتفرعة عن القوانين العامة. وبات لدينا اليوم قوانين كثيرة، منها قوانين الحراج، والعلاقات الزراعية، والإيجار، وإزالة الشيوع، ومكافحة المخدرات، والجمارك، والإعلام، والمنظمات الشعبية، والنقابات المهنية… حتى أصبح المحامي يحتاج أحياناً إلى «خريطة تشريعية» أكثر من حاجته إلى ملف الدعوى نفسه!

القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام!

وتطبيقاً للقاعدة القانونية: «إن القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام»، ضاقت مساحة تطبيق القوانين العامة بسبب التوسع المستمر في إصدار قوانين خاصة لكل حالة تقريباً. وفي كثير من الأحيان، كان يمكن معالجة المشكلة ببساطة، عبر تعديل مادة أو مواد محددة في القانون العام وتشديد العقوبة فيها، بدلاً من إصدار قانون جديد بالكامل يضيف مزيداً من التعقيد والازدواجية. لكن يبدو أن بعض الجهات كانت تعدّ إصدار قانون جديد إنجازاً بحد ذاته، حتى لو انتهى الأمر بتحويل المكتبة القانونية إلى متاهة تشريعية!

كثرة القوانين لا تعني كثرة العدالة

إن كثرة التعديلات وتعدد القوانين الجديدة أدّيا إلى تراجع التطبيق الفعلي لبعض القوانين على أرض الواقع، وإلى تجاوز تطبيق بعضها اختصاراً للوقت والجهد، فضلاً عن الارتباك الناجم عن كثرة النصوص والتعديلات، والبحث الطويل والعقيم بينها. نحن مع التعديلات الضرورية التي تدرسها لجان قانونية مستقلة، وتقرّها سلطة تشريعية حقيقية، بما ينسجم مع مصلحة البلد ومتطلبات التطور العالمي. لكننا لسنا مع تحويل التشريع إلى استجابة فورية لمطالب محلية ضيقة أو مصالح ذاتية، حتى لو صدرت عن أعضاء نافذين في السلطات الحكومية أو التشريعية أو الشعبية.

الخلاصة

الدولة القوية لا تُدار بقوانين متبدلة كل موسم؛ فالقانون الناجح ليس ذلك الذي يُعدَّل باستمرار، بل الذي يُصاغ جيداً، ويُطبَّق بعدالة، ويحافظ على استقراره وهيبته. أما الإفراط في التعديلات، فغالباً ما يحوّل العدالة إلى متاهة، ويجعل المواطن والقاضي والمحامي جميعاً يبحثون عن مخرج منها.

شارك الخبر: