سوريا
ثقافة

خربة الريح: قصة كرامة وصمود في وجه قسوة الحياة والاستبداد

syriahomenews٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٠ م0 مشاهدة
خربة الريح: قصة كرامة وصمود في وجه قسوة الحياة والاستبداد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خربة الريح… ودهشتي من عظمة الأرواح" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في رحلة إلى الطبيعة، حيث تتحدث الصخور وهمس الريح بلغةٍ لا يدركها العابرون، يكمن جمالٌ أخّاذ في قرى بلادي التي تفتح في الروح نوافذ على الحياة. ومن بين هذه القرى، تبرز "خربة الريح"، قريةٌ على قمة جبلٍ شاهق.

هناك، التقيت برجلٍ عرفته قبل سبع سنوات، استقبلني بحرارةٍ كأن الغياب لم يكن سوى لحظةٍ عابرة. كان هذا الرجل، الذي يعمل بجدٍ في نحت الحجر وبناء بيوت الآخرين، قد تعرض لظلمٍ فادح حين بنى بيتًا لأحد المتنفذين، فسلبه الرجل حقه، وأصبح البيت اليوم زريبةً للأغنام. ورغم كل ذلك، لم يفقد الرجل كرامته، بل قال بهدوءٍ مؤثر: "الله يمهل ولا يهمل". تأملته فوجدت فيه صلابة الجبل ودفء الروح، ورأيت في يديه اللتين روّضتا الحجر قوةً لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزع منها الطيبة.

ثم جاءت زوجته، بحنان الأم الذي يغمر الوجوه. رغم معاناتها من مرضٍ عصبيٍ استدعى عمليتين في الدماغ، استقبلتني بقلبٍ كبير، وأعدّت لي من خيرات بيتها: الزيتون واللبن والمكدوس. لم يكن الطعام مجرد وجبة، بل كان تعبيرًا عن كرمٍ أصيل وروحٍ لا تعرف الضيق. احتسيت قهوتها، فوجدت فيها دفئًا وصدقًا يفوق أفخم الموائد.

غادرت "خربة الريح" أحمل زادًا لأهلي ودموعًا وقلبًا يفيض حبًا لهؤلاء الناس. وفي الطريق، ظلّ الجبل يذكرني بسؤالٍ مؤلم: كيف يمكن لحاكمٍ أن يجعل الناس يدافعون عنه حتى لو كان ثمن ذلك حياتهم؟ إن الاستبداد يبلغ ذروته حين يتحول الحاكم إلى وطنٍ في عيون الناس، فيختلط الاعتراض عليه بالخيانة، ويصبح الخوف من رحيله أكبر من الخوف على الكرامة الإنسانية. يتسلل الخوف همسًا، ثم ينمو ليصبح وهمًا حقيقةً، ويتحول القيد إلى سورٍ يحتمي به الناس.

تتراكم المصالح حول السلطة، وتتعلق القلوب بالوعود أو بذاكرةٍ روّضها الخوف. وهكذا، يحكم الاستبداد ليس فقط الأجساد، بل العقول والنفوس، فيجعل الإنسان يحرس سجنه ويخشى انفتاحه. قد يرحل الحاكم، لكن ظلاله تبقى، فالأبواب تُفتح، لكن بعض النوافذ تظل موصدةً في الداخل.

تذكرت الرجل الذي سُرق حقه في بناء البيت. لقد ترك بيتًا انتهى إلى زريبة، بينما ترك لي هؤلاء الناس بيتًا من المحبة لا تهدمه الأيام. العدالة الحقيقية ليست في سقوط الظالم بعد ضياع عمر المظلوم، بل في صيانة عرق الإنسان قبل أن يصبح وجعه مجرد حكاية. الزمن يكشف هشاشة ما ظن أصحابه خالدًا، ويبقي ما عجز النفوذ عن شرائه.

على قمة "خربة الريح"، بين سكون الجبل وهمس الريح، استحضرت معنى القناعة الحقيقية: معرفة قيمة ما في اليد، والسعي للحق دون طمع، والألم دون أن يسرق القدرة على الحب. فالسكينة ليست في غياب العواصف، بل في عدم السماح لها باقتلاع إنسانيتنا.

المرأة التي أعدّت لي الزاد لم تمنحني طعامًا فحسب، بل أعادت لي الطمأنينة وأيقظت الإيمان بأن الطيبة ما زالت ممكنة، وأن الإنسان قادر على العطاء رغم الفقر والمرض والخذلان. كم من أصحاب النفوذ استوطنوا القلوب، وكم من بسطاء ظلّت في قلوبهم مساحةٌ لم تطأها سلطةٌ أو مالٌ أو خوف.

هناك، فهمت أن الوطن ليس حاكمًا أو قصرًا، بل هو هؤلاء الناس وحقهم في حياة كريمة، وحق طيبتهم في ألّا تُستغل. عدت من "خربة الريح"، لكنني تركت جزءًا من قلبي هناك، متذكرًا الرجل كالجبل، وزوجته كدفء بيتٍ مفتوح، والريح كحارسةٍ للأسرار. فبعض الناس لا يحتاجون إلى علو الجبال، يكفيهم أنهم، رغم انحناءات الحياة، لم يسمحوا للجبل أن ينحني في داخلهم.

شارك الخبر: