رواية «الوباء» لهاني الراهب: رحلة عبر الأجيال في مواجهة الخوف والاستبداد


هذا الخبر بعنوان "رواية «الوباء» لهاني الراهب.. ثلاثة أجيال في مواجهة الخوف والاستبداد" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تبدأ رواية «الوباء» للروائي السوري هاني الراهب بتأمل عميق في الزمن والخوف، حيث تصور مجتمعاً تتوارث فيه الأجيال الخسارات، وتتداخل المآسي الفردية مع التحولات الاجتماعية والسياسية. في هذا العمل، يتجاوز مفهوم الوباء كونه مرضاً جسدياً ليصبح حالة تطال الأفكار والعلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى الاستبداد السياسي.
تُقدم سانا الثقافية في زاوية «روايات الحرية» هذه الرواية التي ترصد تحولات الحياة الاجتماعية والسياسية في سوريا من خلال قرية صغيرة في ريف اللاذقية. تتناول الرواية أهوال الحرب العالمية الأولى وما خلّفته من نزوح ومجاعة وأمراض، بالإضافة إلى التفاوت الاجتماعي، والخضوع للتقاليد، وصعود الاستبداد السياسي مع سيطرة حزب البعث على السلطة وتفكيكه للمجتمع السوري.
تدور أحداث الرواية في قرية الشير، حيث يضطر الشيخ عبد الجواد الخياط وعائلته إلى النزوح في ظروف قاسية، ويُترك طفله الرضيع داوود تحت جسر متهدم، في مشهد يلخص مبكراً حضور الفقد والخوف. لا تنتهي المأساة بانتهاء الحرب أو المرض، بل تنتقل آثارها بين الأجيال، حيث يموت أبناؤه وأحفاده، أحمد سليم وأيوب، بعد صراعات ومعاناة نفسية وعقلية. تكشف هذه الخسارات المتوالية عن مجتمع يعيش آثار الأزمات في تكوينه الاجتماعي والنفسي، حيث يتسع معنى الوباء ليشمل الخوف الناتج عن مجتمع تحكمه علاقات غير متكافئة، وتفرض فيه التقاليد والملكية والنفوذ قيوداً ضيقة على اختيارات الإنسان.
في سعيها نحو سؤال الحرية الفردية، تبرز شخصية مريم خضير التي لا تلغي زواجها من الإقطاعي حسن آغا الغفري رغبتها في امتلاك قرارها. تدخل في علاقات مع بدر جندار وإسماعيل السنديان، وتواجه أحكام مجتمع يراقب ويحاسب اختيارات المرأة، لتنتهي حياتها بعد إصابتها بالسل. تُقدم الرواية هذه الشخصية ضمن شبكة من القيود الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حيث يرتبط سؤال حرية الفرد بقدرته على تجاوز المكانة الاجتماعية والعرف ونظرة المجتمع. يتجسد الوجه الآخر لهذه القيود في علاقة حسن آغا بالفلاحين، حيث تمنحه ملكية الأرض سلطة اقتصادية ونفوذاً على خيارات الآخرين وحياتهم، لتتداخل التبعية الاقتصادية مع الأعراف الاجتماعية، وتضيق مساحة الحرية أمام الفئات الأقل قدرة على المقاومة.
ترصد الرواية عبر ثلاثة أجيال تحولات المجتمع السوري في ريف اللاذقية، متابعة استمرار أنماط الخضوع للتقاليد من المجال الخاص إلى العام. العلاقات التي تبدأ داخل الأسرة والقرية، حيث يفرض الأقوى إرادته على الأضعف، تمتد إلى علاقة الفلاح بالإقطاعي، ثم بالفرد بمؤسسات الدولة والسلطة. مع وصول حزب البعث إلى الحكم وسيطرة العسكر، تنتقل الرواية إلى مرحلة جديدة تطرح أسئلة حول غياب النقد والمساءلة وتراجع مساحة النقاش الحر. يشير الناقد السوري مازن أكثم سليمان في مقاله “تذكّر هاني الراهب: عروبة تنويرية” إلى أن الرواية ترصد نحو قرن من التحولات، وتتناول الخوف واستبداد التقاليد وصعود حزب البعث وسيطرة العسكر، ضمن مشروع الراهب الفكري المرتبط بالحرية والديمقراطية والمواطنة والوعي النقدي.
في مقابل هذا الواقع، تطرح الرواية التعليم والمعرفة كاحتمال للتغيير. يسعى إسماعيل السنديان إلى بناء مدرسة للفلاحين لفتح طريق أمامهم نحو المعرفة وفهم الظروف التي تحكم حياتهم. بينما يحاول بديع خضير تجاوز واقع الذل الفلاحي بالالتحاق بالكلية الجوية، لتنتهي حياته في حادث سقوط طائرته. تكشف هذه المسارات عن أهمية المعرفة والوعي في كسر دائرة الخضوع لواقع لم يختره الإنسان، ليصبح التعليم في الرواية أكثر من خدمة اجتماعية، بل ارتباطاً بقدرة الفرد على فهم موقعه في المجتمع ومساءلة ما يبدو ثابتاً فيه.
يمتد معنى عنوان الرواية إلى أشكال أخرى من العدوى الاجتماعية: الجهل، والتسلط، والتفاوت الطبقي، والخضوع للتقاليد الجامدة. ومع انتقال الرواية بين الأجيال، يبدو الخوف أكثر حضوراً كشعور فردي يتسلل إلى العلاقات ويؤثر في القرارات ويحد من قدرة الإنسان على الاعتراض. يتوقف الروائي خيري الذهبي في مقاله “عن راهب الرواية السورية وشيطانها” عند الأسئلة التي شغلت مشروع هاني الراهب، ومنها الحرية ومعنى الحياة وموقع المثقف، وعلاقة مصائر الشخصيات بالمكان والظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها. يربط الراهب الاستبداد في نهاية الحكاية بتاريخ أطول من الخوف والتبعية، فكلما ضاقت قدرة الإنسان على السؤال والنقد والاختيار، اتسعت المساحة التي تستطيع السلطة أن تشغلها في حياته.
صدرت رواية «الوباء» في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفازت بجائزة اتحاد الكتاب العرب، وتقع في نحو 298 صفحة. هاني الراهب، من مواليد عام 1939 في قرية مشقيتا بمحافظة اللاذقية، برز اسمه في الرواية السورية منذ عمله «المهزومون». انشغل في كتاباته بالتحولات الاجتماعية والسياسية، وعلاقة الفرد بالسلطة، وأثر البنى الاجتماعية في حرية الإنسان. اتسمت مسيرته الفكرية بمواقف نقدية من الاستبداد، وانحياز إلى الحرية والتنوير واستقلالية المثقف، ما عرّضه للتضييق الأكاديمي والوظيفي، إذ فُصل من عمله أستاذاً للأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، وطُرد من اتحاد الكتاب العرب، وظل متمسكاً بمواقفه النقدية حتى وفاته في دمشق عام 2000، تاركاً تجربة روائية وفكرية انشغلت بمساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي والدفاع عن حرية الإنسان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة