سوريا
ثقافة

حماة تحتفظ بأنفاسها: حكاية آخر حراس النول اليدوي في مواجهة النسيان

enabbaladi.net١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٨ م0 مشاهدة
حماة تحتفظ بأنفاسها: حكاية آخر حراس النول اليدوي في مواجهة النسيان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من حي “الباشورة”.. حكاية آخر حراس النول اليدوي بحماة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب حي “الباشورة” العريق بمدينة حماة، وتحديداً في مشغله العتيق بشارع “أبي الفداء”، يجلس سامر عبد الفتاح المدني، البالغ من العمر 58 عامًا، محاطًا بألوان الخيوط وصوت النول اليدوي الذي يتردد كنبض مقاوم للغياب. بأصابعه الخبيرة، يمرر المدني بين خيوط القطن السوري والحرير الطبيعي، وكأنه يرمم حكاية مدينة بأكملها، حكاية بدأت عائلته في نسج تفاصيلها عام 1853، وتخوض اليوم معركة شرسة ضد النسيان.

يستحضر المدني ملامح الحرفة المتجذرة في هوية حماة، والتي شكلت لقرون عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. وتتجلى هذه الصلة الوثيقة في أسماء عائلات حموية عريقة مثل “المنير” و”الملقي” و”المسدي” و”الحايك”، التي لم تكن مجرد ألقاب، بل توثيق حي لتقسيم العمل والترابط العضوي بين السكان ومهنهم.

في العصر الذهبي للمهنة، كانت حماة تضم آلاف الأنوال اليدوية، وتلبي ثلاثة مجالات رئيسية: صناعة المناشف الحموية، والمد العربي، وبيوت البدو. ومع تغيّر نمط الحياة، غابت بيوت البدو تمامًا، وانحصر الإنتاج في المناشف والمد العربي، لتصبح حرفة المناشف اليدوية اليوم أمانة ثقيلة في أيدي عائلتين فقط في المدينة، تمثل عائلة “المدني” إحداهما.

يشرح الحرفي الستيني رحلة ولادة القطعة النسيجية، وهي رحلة تبدأ بخيوط القطن السوري التي تُصبغ أولًا، ثم تمر بمراحل إعداد دقيق على أيدي المسدي والمنير والملقي، وصولًا إلى هندسة ترتيب الخيوط على النول بحسابات معقدة، قبل أن يضع الحايك لمساته الأخيرة، محولًا الخيوط إلى برانص، ومناشف، وبشاكير، وشراشف حريرية تفيض بالخصوصية التراثية الحموية.

أحداث 1982.. ضربة في خاصرة الحرفة

لم تكن طريق الحفاظ على هذا الإرث ممهدة بالورود، بل حفرت التحولات السياسية والاقتصادية ندوبًا عميقة في جسد المهنة. يروي المدني كيف ساهمت السياسات السابقة، واحتجاز التجار للمواد، وانقطاع العلاقات بين سوريا والعراق في عهد حكم “البعث”، في خنق الأسواق وتضييق منافذ التصريف الخارجية. لكن الضربة الأقسى تجسدت في أحداث عام 1982، حيث فقدت المهنة معظم صناعها ومبدعيها، ما ألحق ضررًا بليغًا باستمرارية الحرفة وبنية انتقال معارفها بين الأجيال.

اليوم، يواجه المدني واقعًا لا يقل قسوة، إذ تعاني الورشة من ندرة حادة في الأيدي العاملة، وسط عزوف تام من الشباب عن تعلّم النسيج اليدوي نظرًا لمشقته وضآلة مردوده المادي، بالتوازي مع غياب الحركة السياحية وانعدام أي رؤية أو دعم من الجهات المعنية.

من حماة إلى بيروت: الاعتماد على الذات

أمام هذا الإهمال الرسمي، اختارت عائلة “المدني” الاعتماد على الذات لتطوير المنتجات وتسويقها خارج البلاد رغم التكاليف الباهظة، مستعينة ببعض الجمعيات الأهلية في دول أوروبية. وعلى الصعيد الشخصي، يرفض المدني المشاركة في المعارض الداخلية أو الخارجية التي كانت تُنظّم في عهد النظام السابق، مفضلًا عدم توظيف حرفته سياسيًا. وبدعم من شخصية بيروتية، نجح المدني في إقامة معرض دائم في العاصمة اللبنانية بيروت يحتضن النول الحموي الأصيل، مما أتاح له نافذة تسويقية وثقافية بعيدة عن التجاذبات السياسية.

يختتم سامر المدني حديثه محذرًا من أن صون النسيج اليدوي في حماة ليس واجبًا عائليًا أو حرفيًا ضيقًا، بل مسؤولية وطنية تتجاوز حدود المشغل، فهو جزء نابض من الذاكرة السورية، وحماية هذه الحرف هي حماية للهوية من الاندثار.

حكاية “أبو شفيق”: نولان يرفضان الصمت

يروي محسن محمد شفيق دبيك، المعروف في حماة باسم “أبو شفيق” (65 عامًا)، حكاية صمود مهنة النسج اليدوي على الأنوال، الحرفة التي ورثها عن والده. بدأت حكايته مع هذه المهنة عندما كان طفلًا، حيث كان يرافق والده إلى دكانه، وهناك تعلم كيفية الضغط على دواسات النول ليبدأ مسيرته في حياكة المناشف والشراشف القطنية.

بعد عودته من الخدمة العسكرية عام 1986، عاد “أبو شفيق” إلى النول مساندًا لوالده، وتولى مهمة نقل الغزل من حماة إلى حمص من أجل عملية السداية، كما تعلم أسرار حساب النير وضبطه. ومع تبدل الظروف، انتقل لاعتماد حلب في عملية السداية حتى عام 2011، ثم استلهم فكرة صنع دوارة خاصة به ليبدأ بتسدية الخيوط بنفسه، متبعًا طريقة تقليدية في غسل الغزل القطني وتبييضه.

يتحدث دبيك بحنين عن مكانة هذه الحرفة التي يراها فريدة ولم تتبقَّ إلّا في حماة، مستذكرًا عندما كان “جهاز العروس” لا يخلو من ثلاث قطع أساسية تنتجها الأنوال (البرنص وطقم المناشف وشرشف الحرير)، وهي عادات غابت عن جيل اليوم. ويقارن النسّاج السوري بمرارة بين الماضي والحاضر، مشيرًا إلى أن الأسواق قديمًا كانت تشهد حركة بيع ممتازة مع توفر كامل للمواد الأولية، بينما يواجه اليوم شحًا في خيوط القطن، والتي إن وُجدت في السوق السوداء تُباع بأسعار مرتفعة جدًا.

يختتم حديثه بالتأكيد على التراجع الحاد في أعداد الحرفيين، فبعد أن كانت حماة تضم آلاف الأنوال اليدوية في الماضي، وفقًا لأبو شفيق، تلاشت تلك الحركة ولم يعد يدور في المدينة اليوم سوى نولين اثنين فقط، أحدهما يعود لعائلته “دبيك” والآخر لعائلة “المدني”.

الباحث مجد حجازي: النسيج الحموي.. هوية المدينة وذاكرتها

يؤكد الباحث في التراث السوري، المهندس مجد حجازي، أن صناعة النسيج في مدينة حماة لم تكن مجرد حرفة يدوية عابرة، بل شكلت ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وصناعة هوية ارتبط بها اسم المدينة محليًا وخارجيًا. وامتدت خيوط السدى وعبرت اللحمة وتحرك المكوك لتبدع أيدي النساجين أقمشة ومنسوجات عكست مهارة أبناء المدينة وذائقتها وذاكرتها.

كانت الأنوال تنتشر في مختلف أحياء حماة، مع تركز ثقلها في أسواق “الشجرة”، و”الحاضر”، و”المحالبة”، و”المشارقة”، إذ كانت تُنصب داخل الدكاكين وفي أجزاء من المنازل. وتكاملت مع النسيج صناعات وحرف أخرى ضرورية مثل الغزل والتربيد والصباغة وطباعة الأقمشة. ولم تقتصر الأنوال الحموية على نسج القطن وحده بل عرفت خطوط إنتاج الصوف والحرير، وإن كانت المنسوجات القطنية هي التي تبوأت المكانة الأهم.

إنتاجية 500 نول.. 70 ألف ليرة ذهبية سنويًا

استند حجازي إلى أرقام توثيقية من “التقويم السنوي لولاية الشام” لعام 1305 هجري، تعكس الحجم الضخم لقطاع النسيج في تلك الحقبة. إذ رصد التقويم وجود أكثر من 500 نول خشبي يعمل عليها 800 عامل، يصنعون سنويًا 30,000 قطعة من عُدَد الحمامات، و36,000 ثوب من البياض، إضافة إلى 10,000 شرشف فراش، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 70,000 ليرة ذهبية. وتبرهن هذه الأرقام على وجود منظومة اقتصادية وحرفية متكاملة تدور في فلك النسيج.

من التوريث العائلي إلى الاندثار

وصف الباحث التراثي النول الحموي بأنه خشبي بسيط التكوين لكنه يتطلب مهارة عالية في التشغيل. وكانت معارف وتقنيات هذه الحرفة تنتقل وراثيًا داخل العائلات من الآباء إلى الأبناء. وبرزت عائلات حموية ارتبطت أسماؤها تاريخيًا بالمهنة مثل “الدبيك” و”المسدي” و”المدني” وغيرهم. إلا أن الحرفة شهدت تراجعًا كبيرًا في عقودها اللاحقة، إذ انخفضت أعداد الأنوال تدريجيًا، ولا يتبقى منها سوى عدد محدود جدًا في الوقت الحالي.

نداء لحماية الذاكرة الحية

ذكر المهندس حجازي أن المنسوجات الحموية تخطت الحدود المحلية لتغذّي أسواقًا إقليمية واسعة. واختتم بالتشديد على المسؤولية الثقافية الراهنة، مبينًا أنه رغم تعذر إعادة مئات الأنوال إلى الخدمة، فإن الجهود يجب أن تنصب اليوم على صون الحرفة بمصطلحاتها، وآليات عملها، وأنماط منسوجاتها، وسير صنّاعها، لتبقى هذه المهنة نابضة في الذاكرة المحلية. ودعا إلى حتمية حماية ما تبقى من هذا الإرث الحي وتوثيقه، مؤكدًا أن الاستماتة في الحفاظ عليه لا تنطلق من جدواه الإنتاجية والاقتصادية فحسب، بل لما يحمله النول من أبعاد اجتماعية وجمالية وتقنية فريدة، تستحق أن تُنقل بأمانة إلى الأجيال الجديدة.

شارك الخبر: