سوريا
سياسة

لماذا مساءلة السلطة ضرورة وطنية في سوريا الجديدة؟

syria.tv١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٤ ص0 مشاهدة
لماذا مساءلة السلطة ضرورة وطنية في سوريا الجديدة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يجب أن نسائل السلطة؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرحلة سقوط الأسد، دخلت سوريا منعطفاً جديداً يتسم بتقاطع الأمل مع الهشاشة، والحرية مع القلق، وإرادة البناء مع ثقل الماضي. في هذا السياق، يصبح النقاش حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديداً فكرة مساءلة السلطة، أمراً جوهرياً. لا يُقصد بالمساءلة الصراع أو التشكيك، بل بناء علاقة ناضجة بين سلطة مسؤولة وكفؤة، ومجتمع يساهم في نجاحها عبر الرقابة والمطالبة بالتصحيح.

عانى السوريون طويلاً من وصف أي صوت ناقد بـ"التخريب". بعد ثورتهم، يؤكدون حقهم في المساءلة كفعل لصيانة السلطة، وليس تخريباً. الدولة كيان جامع ودائم، بينما السلطة إدارة مرحلية قابلة للتغيير. الدولة هي القانون والمؤسسات والسيادة والكرامة والذاكرة الجمعية، أما السلطة فهي أمانة مؤقتة، ومن يحكم مسؤول ومحاسب.

مساءلة السلطة حق للشعوب، حتى لو واجهت بالقمع. في المرحلة الانتقالية الهشة، تتشابك قضايا الأمن والاقتصاد والانقسام والتدخل الخارجي والسلاح خارج إطار الدولة. هذه التحديات لا تبرر الصمت، والحذر من التخريب لا يجب أن يتحول إلى كمّامة. التدرج ضروري، لكن لا يجوز أن يعطل الحق في السؤال. الأمن لا يعني غياب الصوت، ولا يُقايض بالحريات، والاستقرار لا يعني غياب المحاسبة.

الأخطاء الصغيرة في التحولات الكبرى قد تتجذر. القرار الخاطئ اليوم قد يصبح سياسة غداً، والمؤسسة الهشة قد تتحول إلى إقطاعية نفوذ، والفساد المستتر قد يصبح نظاماً متجذراً. المساءلة تصحيح مبكر ووقائي، تمنع وقوع الكوارث وتجنب الانفجارات.

نسائل السلطة لأن الدولة ملك لنا، لا طمعاً في السلطة أو تقاسم مكاسبها. نحرص عليها كما يحرص صاحب البيت على بيته. لم يضحي السوريون لتبديل وجوه وأسماء، بل لتغيير منهج أخرجهم من دائرة صنع مستقبلهم. أصوات السوريين الأحرار لم تهتف بإسقاط النظام البائد إلا من أجل دولة القانون والعدالة والكرامة. قبول مؤسسات هشة، أو التغاضي عن فساد، أو الخوف من النقد، يهدر التضحيات. المساءلة الوطنية تحمي من تحول الدماء إلى صفقات نفوذ.

السلطة التي لا تُساءل تصاب بالترهل، والمؤسسة التي لا تُراقب تتحول إلى مركز نفوذ مغلق. هنا يبرز دور الصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، والقضاء المستقل، وشفافية المؤشرات، كصمامات أمان. المساءلة مشروطة بالسلامية والعلنية واحترام القانون، وهي تفرّق بين نقد السياسات والتربص بالدولة. المعارض لا ينتقص منه الاعتراف بالإنجاز، واقتراح البدائل، ورفض التحريض، والتراجع عند تهديد الوطن.

السلطة التي ترفض المساءلة تهدر حقها في مساندة شعبها ونخبها. مقاومة السلطة للسؤال تدل على هشاشتها لا قوتها. غلق باب المساءلة يكشف الضعف والخوف من الحقيقة، وهذا الخوف أخطر ما يهدد السلطة في مرحلة انتقالية. غياب الإجابات عن الهواجس يفسح المجال للقلق والفوضى.

في سوريا الجديدة، كسب الشعب صوته وكرامته، بعد إسقاط السلطة المطلقة. يطمح اليوم إلى سلطة تحمي وتبني، والمجتمع شريك يراقب ويسائل ويحاسب. السلطة المطلقة لا تسقط فجأة، بل تتآكل دعائمها ببطء. تجاهل سؤال صغير قد يبدأ مسار التهاوي. المساءلة ليست ترفاً، بل ضرورة استراتيجية، تفرق بين دولة تتعلم من أخطائها وأخرى تكررها حتى تنهار.

الصمت عن الأخطاء لا يحمي الدولة، بل يخفي خطراً كامناً. قدرة السلطة على الاستمرار تظهر في الاستماع للنقد والتصحيح. حين يجد الشعب قناة قانونية متاحة للسؤال والاقتراح دون يأس من الاستجابة، لا يلجأ إلى الغضب والعنف. المساءلة تسحب الذرائع من المتربصين والمتطرفين والفاسدين. المجتمع المفتوح، كما يقول كارل بوبر، يقبل النقد ويصحح مساره. السلطة أمانة من الشعب، ومن حقه مساءلة من يحكم، كما قال جون لوك.

ختاماً، في سوريا الجديدة، المجتمع شريك يدعم السلطة ويصون الدولة. الصمت ليس ولاءً، بل الولاء الحقيقي أن نمنع السلطة من الخطأ ونحمي الدولة من الهشاشة، لنبني سوريا كما نحلم.

شارك الخبر: