السودان: جرح غائر في ظل حرب لا تنتهي وتدخلات خارجية معقدة


هذا الخبر بعنوان "جرح السودان النازف" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب والإعلامي التونسي محمد كريشان إلى أن مأساة السودان تتسم بالتعقيد، حيث فشل نظام عمر البشير على مدى ثلاثين عامًا في بناء البلاد أو تحقيق التنمية، ولم ينجح نظامه "نظام الإنقاذ" في تخفيف معاناة الشعب من الفقر أو النزوح بسبب الحروب التي أدت إلى انقسام البلاد واستنزافها. كما أن الأنظمة التي جاءت بعده لم تفعل شيئًا سوى تدمير ما تبقى، مما وضع البلاد على حافة الانهيار.
ويرى كريشان أنه لا فائدة من الخوض في أسباب الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" التي اندلعت قبل أكثر من ثلاث سنوات، أو كيفية تحول هذه القوات إلى "وحش" تم تسمينه ثم انقلب على من قام بتسمينه، متجاهلاً مبادئ الدول ووحدة مؤسساتها التي تعرضت للتأدلج والتدجين في عهد البشير. الأهم اليوم هو التركيز على الخسائر الفادحة التي لحقت ببلد كان يتطلع إلى الانتعاش بعد عقود من الاستبداد، ليجد نفسه الآن في حالة اختناق كامل.
لقد أدت هذه الحرب، التي وصفها بأنها بين الجيش و"الزائدة الدودية" التي أوجدها بنفسه، إلى مقتل أكثر من 200 ألف مواطن ونزوح 13 مليونًا، بالإضافة إلى آلاف اللاجئين. وعلى الرغم من النداءات المحلية والدولية، استمر استهداف المدنيين وضرب المنازل والمدارس والمستشفيات. وفي ولاية النيل الأزرق، أشارت "المنظمة الدولية للهجرة" إلى نزوح أكثر من 10 آلاف شخص في أقل من عشرة أيام في نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، بالإضافة إلى 99 ألف نازح من يناير إلى أغسطس من العام الحالي، منهم 56% نساء ونصفهم أطفال دون سن الثامنة عشرة.
وعلى الرغم من هذه التكلفة الباهظة، لا توجد مؤشرات على قرب انتهاء المعارك، نظرًا لعجز الطرفين عن تحقيق حسم عسكري نهائي. فالجيش يسيطر حاليًا على 13 ولاية من أصل 18، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، بينما لا يسيطر "الدعم السريع" إلا على ولايات دارفور الخمس باستثناء بعض الأجزاء. هذا التعذر في التفوق الكامل لأي طرف لم يؤدِ إلى أي حلحلة في مسار التسوية، خاصة وأن الحل الوحيد المطروح هو اتفاق المبادئ الذي تم توقيعه في جدة في مايو 2023، والذي يدعو إلى حماية المدنيين وإخلاء المرافق العامة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، برعاية سعودية أمريكية. إلا أن شيئًا مما دعا إليه إعلان جدة لم يتم تنفيذه، رغم تجديد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأفريقي الدعوة في نيويورك هذا الشهر للالتزام به واستئناف المفاوضات على أساسه.
ما دام الحسم العسكري الكامل متعذرًا، والتسوية متعثرة، والعالم منشغلًا بنزاعات أخرى، فإن مأساة السودان ستظل جرحًا نازفًا. المشكلة الآن تكمن في رفض الجيش مساواة "الدعم السريع" به والتعامل معه بنفس الندّية، بينما يسعى "الدعم السريع" إلى إطالة أمد الحرب لإجبار الجيش على الجلوس معه طمعًا في الحصول على موقع في السلطة، رغم انحساره العسكري على الأرض.
المشكلة الأكبر هي أن استمرار المراوحة وغياب المفاوضات يقضم من رصيد كلا الطرفين. فقد اعتبرت الخارجية الأمريكية أنه ليس هناك من "يمثل حكمًا شرعيًا ودستوريًا في السودان"، مما نزع هذه الورقة من يد عبد الفتاح البرهان والجيش الرسمي، واتهمت في الوقت نفسه "الدعم السريع" بارتكاب إبادة جماعية والجيش بجرائم حرب، بالتوازي مع اتهامه بتلقي دعم خارجي، لا سيما من دولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى وجود مرتزقة تقاتل إلى جانبه.
المعضلة الأخرى هي أن الأطراف المتهمة بدعم هذا الطرف أو ذاك، مثل الإمارات بالنسبة لـ"الدعم السريع" ومصر بالنسبة للجيش، هي نفسها الأطراف التي لا غنى عنها للتوصل إلى اتفاق إذا ما قررت فعلاً الضغط على الطرفين لوقف المعارك والبحث عن تسوية. هذا المسار يبدو صعبًا في ضوء الشروط التي تطرحها الحكومة السودانية حاليًا، على الأقل بناءً على ما قاله عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مؤخرًا في مجلة "فورين بوليسي"، من ضرورة حصر السلاح في يد الدولة لإنهاء الحرب، وأنه لا مستقبل لـ"الدعم السريع" ولا مجال لإعطائه وضعًا يتساوى فيه مع القوات النظامية، وأن السلام لن يتم إلا عبر حوار وطني داخلي مع حصر الدور الدولي في المراقبة والمساعدة فقط.
على الرغم من وجود "رباعية دولية" خاصة بالسودان تتكون من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات تعمل من أجل هدنة، فإن الأكثر نشاطًا في هذه المرحلة هي واشنطن عبر مساعد الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، بولس، الذي صرح في القاهرة مؤخرًا بأن جهود بلاده متواصلة مع مصر من أجل حل سياسي في السودان، وكذلك مع "شركاء إقليميين ودوليين" آخرين لم يسمهم. لكن لا نتائج عملية من الجهتين. وطالما ظل الحسم العسكري الكامل متعذرًا، والتسوية متعثرة، والتدخل الخارجي متواصلاً، والعالم منشغلًا بنزاعات أخرى، فإن مأساة السودان ستبقى للأسف الشديد جرحًا ينزف حتى إشعار آخر. المصدر: القدس العربي
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة