هل يجمع العداء للسلطة السورية الجديدة الأحزاب اليسارية بعد فشل الماركسية؟


هذا الخبر بعنوان "هل يوحّد العداء للسلطة السورية الجديدة ما عجزت الماركسية عن توحيده؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد النقاش حول طبيعة عمل الأحزاب السياسية في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، والمبادئ التي قد توحد أحزاباً ذات تجارب وبرامج متباينة خلال عقود من الحكم الدكتاتوري، وذلك في أعقاب اجتماع خمسة أحزاب شيوعية ويسارية في دمشق. حضر الاجتماع حزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، والحزب الشيوعي السوري الموحد، والحزب اليساري الكردي في سوريا، وحزب الإرادة الشعبية، بهدف البحث عن سبل التنسيق والعمل السياسي المشترك.
تتجاوز دلالات هذا الاجتماع حدود التنسيق السياسي بين أحزاب تتقارب في مرجعيتها الفكرية الماركسية. فهو يجمع أحزاباً ذات مواقف سياسية متباينة خلال الحقبة الأسدية، ويطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: ما الذي يجمع هذه الأحزاب اليوم؟ هل هي المرجعية الماركسية المشتركة، أم أن الموقف من السلطة السورية الجديدة ذات الخلفية الإسلامية أصبح عاملاً أساسياً في تقريبها، بعد أن عجزت مرجعيتها الماركسية عن توحيدها سابقاً؟
تنبع أهمية السؤال من التباين في التاريخ السياسي للأحزاب المشاركة. فبعض الأحزاب الشيوعية السورية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوري الموحد، تحالفت بدرجات متفاوتة مع النظام الأسدي عبر المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية. في المقابل، اتخذت قوى يسارية أخرى، أبرزها حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، موقفاً معارضاً للسلطوية الأسدية، وتعرض أعضاؤها للملاحقة والاعتقال والتعذيب. فيما اختارت أحزاب أخرى العمل ضمن الأطر التي أتاحها النظام.
هذا التباين ليس مجرد تفصيل من الماضي يمكن تجاوزه بسهولة، بل هو جزء من تاريخ سياسي ترك آثاراً عميقة في المجتمع السوري. ويطرح أسئلة تتعلق بمواقف هذه الأحزاب من الاستبداد والحريات والتعددية، وكيفية تعاملها مع مسؤولياتها السياسية خلال العقود الماضية. إن استحضار هذا التاريخ لا يعني إغلاق الباب أمام التقارب، بل يتطلب مصارحة ومراجعة نقدية، خصوصاً عندما يجمع قوى اختلفت في موقفها من النظام الأسدي. فهل ستخضع تلك التجارب للنقاش؟ وهل ستراجع الأحزاب المتحالفة مع الأسد مواقفها السابقة بوضوح ومسؤولية؟
إذا كانت المرجعية الماركسية المشتركة هي المحرك الأساسي للتقارب، فمن المشروع التساؤل عن أسباب عدم تشكّل صيغة مماثلة من التنسيق في مراحل سابقة، لا سيما خلال سنوات الثورة والحرب بين عامي 2011 و2024، حين كانت الحاجة إلى بدائل سياسية ديمقراطية أكثر إلحاحاً. لكن هذا التساؤل لا يكفي وحده للقول إن العداء للسلطة الجديدة هو الدافع الحاسم وراء اللقاء. فتحديد دوافع الأحزاب يتطلب إعادة النظر في برامجها ومواقفها العملية.
تزامن هذا التقارب مع التحولات التي شهدتها سوريا يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان الموقف من السلطة الحالية قد أصبح عاملاً جامعاً يتقدم على الخلافات السياسية التاريخية الماضية. الحالة الطبيعية أن تنتقد الأحزاب اليسارية والشيوعية توجهات السلطة الجديدة، وأن تعارض أي محاولة لتقييد الحريات أو احتكار القرار. لكن معارضة السلطة الحالية بحد ذاتها لا تكفي لتأسيس مشروع سياسي بديل. فالمعيار الأساسي ليس هوية الحاكم، بل طبيعة النظام السياسي، ومدى احترامه للمواطنة المتساوية وسيادة القانون والتعددية والحقوق والحريات.
تؤكد تجربة الأحزاب الشيوعية السورية أن التقارب الأيديولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى وحدة سياسية. فقد نشأت خلافات بين أحزاب تتشارك شعارات ومفاهيم أيديولوجية واحدة، لكنها اختلفت في تقدير طبيعة النظام الأسدي، وفي الموقف من المشاركة في مؤسساته. لذلك، لا تُقاس قيمة التحالف بعدد الأحزاب المنضوية فيه، بل بقدرته على تقديم برنامج سياسي اجتماعي واضح يلبي تطلعات معظم السوريين للمستقبل، ووضع قواعد ديمقراطية لإدارة الاختلاف داخله.
تواجه القوى اليسارية والشيوعية السورية تحدياً يتجاوز إعادة ترتيب علاقاتها التنظيمية: كيف تستعيد صلتها بمجتمع تغيّرت بنيته السياسية والاجتماعية بفعل عقود الاستبداد وسنوات الحرب والتهجير؟ إن استئناف الحوار بين هذه الأحزاب قد يكون خطوة إيجابية، لكنه لا يعني تلقائياً استعادة حضور اجتماعي واسع. فالمجتمع السوري أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تمثله كتلة أيديولوجية واحدة.
تحتاج المرحلة الجديدة إلى فضاء سياسي واسع يسمح بتفاعل القوى السياسية والمدنية والنقابية السورية كافة، ضمن إطار دستوري يحترم الاختلاف ويمنع احتكار المجال العام. تحتاج سوريا، في المرحلة الانتقالية، إلى أحزاب سياسية تتعامل مع الماضي بمسؤولية، والحاضر بواقعية، والمستقبل برؤية ديمقراطية جامعة. وإذا نجحت الأحزاب المجتمعة في تحويل حوارها إلى مراجعة نقدية للماضي، وبرنامج مشترك منفتح على بقية الأحزاب والتيارات السياسية السورية، فقد يشكل لقاؤها خطوة نحو تعاون جاد. أما إذا بقي الجامع الأساسي بينها هو الموقف المعارض للسلطة القائمة، من دون اتفاق واضح على طبيعة الدولة السورية المستقبلية، فقد يظل التقارب تقاطعاً سياسياً مؤقتاً.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
سياسة