سوريا
سياسة

صراع النفوذ التركي الإسرائيلي في سوريا: إلى أين يتجه؟

الحل نت١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٠٠ م0 مشاهدة
صراع النفوذ التركي الإسرائيلي في سوريا: إلى أين يتجه؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تركيا وإسرائيل في سوريا.. إلى أين يصل صراع النفوذ؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتجاوز الوجود العسكري التركي في سوريا مجرد انتشار للقوات في الشمال خلال الحرب السورية الممتدة لـ 14 عاماً. فبعد سقوط نظام الأسد، أصبح هذا الانتشار جزءاً من تنافس إقليمي على تشكيل الدولة السورية الجديدة، طبيعة جيشها، والجهات المؤثرة في قرارها الأمني والعسكري. يتزامن هذا مع توسيع دمشق وأنقرة لتعاونهما في مجالات متعددة وبحث ترتيبات دفاعية جديدة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الإسرائيلية من تحول النفوذ التركي إلى حضور عسكري يصعب احتواؤه مستقبلاً.

وكشفت الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب، في آب/ أغسطس 2026، جانباً من هذا التنافس والسباق على النفوذ في سوريا، خاصة بعد ربط تقديرات إسرائيلية بينها وبين احتمال إقامة موقع عسكري تركي داخل القاعدة. كان الخلاف الأساسي يدور حول طبيعة هذا الامتداد التركي وحدوده ومدى تأثيره على حرية عمل الجيش الإسرائيلي داخل سوريا.

تواجه سوريا في مرحلتها الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، معضلة أمنية معقدة. فهي تحتاج إلى شركاء يمتلكون الخبرة والقدرات اللازمة لإعادة بناء جيشها المتهالك، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بضمان استقلال قرارها الدفاعي ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهة بين تركيا وإسرائيل.

ما حجم الانتشار التركي؟

وفقاً لآخر إحصاء نشرته وسائل إعلام سورية غير رسمية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، يبلغ عدد المواقع العسكرية التركية في سوريا 124 موقعاً، منها 12 قاعدة ثابتة و112 نقطة وموقعاً عسكرياً أصغر حجماً. تتوزع هذه المواقع على ست محافظات سورية، تتصدرها حلب بـ 56 موقعاً، تليها إدلب بـ 51 موقعاً، ثم الرقة بتسعة مواقع، والحسكة بخمسة، واللاذقية بموقعين، وحماة بموقع واحد. يستند هذا الإحصاء إلى خرائط تحليلية وإحصاءات عسكرية وشهادات ميدانية، لكنه لا يوفر ما يكفي للتحقق المستقل من جميع المواقع أو تصنيفها.

يعكس التوزيع الجغرافي تركّز الانتشار التركي في حلب وإدلب، حيث بنت أنقرة حضوراً عسكرياً خلال سنوات الحرب، بالتوازي مع دعم فصائل المعارضة السورية وتنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود. قبل سقوط النظام، بررت تركيا انتشارها العسكري بمخاوف أمنية، أبرزها منع التهديدات على حدودها الجنوبية ومواجهة “وحدات حماية الشعب” الكردية. لكن مع سقوط الأسد، زال هذا المبرر، وأصبح استمرار انتشارها يصطدم بأسئلة تتعلق بأهداف تركيا طويلة الأمد داخل سوريا.

في حزيران/ يونيو 2025، صرح وزير الدفاع التركي يشار غولر لوكالة “رويترز” بأن بلاده لا تعتزم سحب قواتها من سوريا في ذلك الوقت، مشيراً إلى وجود أكثر من 20 ألف جندي تركي هناك، كما تحدث عن تقديم التدريب والمشورة للجيش السوري. وفي شباط/ فبراير 2026، جدد غولر موقف بلاده الرافض للانسحاب من سوريا والعراق في المرحلة الراهنة، مؤكداً أن قرار الانسحاب يعود لتركيا.

من نقاط الانتشار إلى القواعد الجوية.. ما الذي تريده أنقرة؟

تتجاوز العلاقة السورية التركية الملفات الأمنية التقليدية، مع توجه دمشق وأنقرة نحو توسيع التعاون في مجالات الدفاع، التدريب، الطاقة، النقل، التجارة، وإعادة تأهيل البنية التحتية. في 13 أيلول/ سبتمبر، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إبرام نحو 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، تربط 22 وزارة وهيئة حكومية سورية بنظيراتها التركية.

وفي 4 شباط/ فبراير 2025، نقلت وكالة “رويترز” عن أربعة مصادر مطلعة أن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع والرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانا يستعدان لمناقشة اتفاق دفاعي محتمل، يشمل إنشاء قواعد جوية تركية في وسط سوريا، وتدريب الجيش السوري الجديد، وإمكانية استخدام أنقرة للمجال الجوي السوري لأغراض عسكرية. وشملت المواقع المطروحة في المباحثات مطار تدمر العسكري وقاعدة “تي فور” في محافظة حمص، وفق المصادر. لكن التقرير تناول مقترحات قيد النقاش، ولم يثبت التوصل إلى اتفاق نهائي لإنشاء تلك القواعد.

إسرائيلياً، حملت هذه المباحثات أهمية تتجاوز إنشاء مواقع عسكرية جديدة، لأنها تتيح لتركيا الانتقال من دور يتركز في مناطق الشمال إلى دور أوسع في تدريب القوات السورية وتطوير قدراتها، وربما المشاركة في بعض جوانب منظومتها الدفاعية، بما يشمل أنظمة الرادار وغيرها من الأنظمة التي قد تحد من النشاط الإسرائيلي في سوريا براً وجواً. من منظور أنقرة، يوفر التعاون مع دمشق فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، والحفاظ على نفوذها في سوريا، والمساهمة في تشكيل المؤسسة العسكرية الجديدة. كما يمكن أن يمنحها وجوداً أكثر استقراراً من الانتشار المرتبط بظروف الحرب، إذا جرى تثبيته عبر اتفاقات رسمية.

أبو الظهور.. عندما قررت إسرائيل التدخل

في 18 آب/ أغسطس 2026، ظهر التداخل بين التعاون العسكري والتنافس الإقليمي بوضوح، عندما قررت إسرائيل استهداف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي. وارتبطت الغارة، وفق تقارير إسرائيلية، بمخاوف من احتمال نشر قوات أو منظومات تركية في الموقع. وأعلن مسؤولون إسرائيليون رفضهم إقامة قواعد تركية في سوريا.

نقلت “رويترز” حينها عن التلفزيون السوري الرسمي أن إسرائيل نفذت ثماني غارات استهدفت مدرج المطار ومنشآت التخزين. وأعلنت تركيا إدانتها للهجمات، بينما وصفها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك بأنها تصعيد غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي. وفي بيان نقلته الوكالة، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن سوريا كانت على وشك السماح بنشر قوات تركية في المطار، معتبراً أن هذا الانتشار سيشكل تهديداً لأمن إسرائيل. لكن الحادثة كشفت خطراً يتجاوز مصير القاعدة نفسها، وهي أن تصبح منشأة عسكرية سورية هدفاً لضربة إسرائيلية بسبب تقديرات تتعلق باستخدامها المستقبلي، حتى قبل ثبوت إنشاء قاعدة تركية دائمة فيها. وقد يعقد ذلك خطط دمشق لإعادة تأهيل منشآتها العسكرية، إذا استمر الخلاف حول طبيعة التعاون الدفاعي مع أنقرة.

إسرائيل وأنقرة.. خلاف على المستقبل

لا ينفصل الاعتراض الإسرائيلي على الانتشار التركي المحتمل عن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد. فقد حافظت إسرائيل على حرية الحركة العسكرية داخل الأراضي السورية، ونفذت ضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت تابعة للجيش السوري السابق، بالتوازي مع توسيع وجودها في مناطق من الجنوب السوري. في المقابل، أصبحت تركيا من أبرز شركاء السلطة الجديدة في دمشق، ووسعت تعاونها معها في مجالات التدريب والدعم العسكري وإعادة بناء المؤسسات. وهذا التقارب أثار أسئلة إسرائيلية بشأن طبيعة القدرات التي قد يمتلكها الجيش السوري مستقبلاً، ومدى تأثير أنقرة في القرارات العسكرية السورية.

أظهرت حادثة أبو الظهور أن الخلاف لا يقتصر على التصريحات السياسية. ففي 18 آب/ أغسطس، قال توم باراك إن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بعد الضربات الإسرائيلية على المطار. وأشار إلى أن تركيا لم تكن قد أُبلغت بالغارات، وأن الطائرات الإسرائيلية اتجهت شمالاً نحو الأراضي التركية، ما كان يمكن أن يفتح الباب أمام رد تركي.

لا تعكس التقديرات الإسرائيلية بشأن الوجود التركي موقفاً واحداً. فبينما تحذر بعض مراكز الأبحاث من تحول أنقرة إلى منافس استراتيجي طويل الأمد، تدعو أخرى إلى التعامل مع انتشارها بصورة أكثر انتقائية. وفي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في 27 آب/ أغسطس 2026، دعت الباحثتان كارميت فالينسي وأمل حايك إلى اتباع نهج يضبط الخطوط الحمراء الإسرائيلية تجاه الوجود العسكري التركي في سوريا، بدلاً من الاعتراض الشامل على كل أشكال التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة. وتدعو الدراسة إلى التمييز بين المساعدات التقنية والتدريب وإعادة تأهيل المنشآت العسكرية السورية، وبين إنشاء بنية تحتية تركية مستقلة للقيادة والسيطرة. كما ترى أن نشر أنظمة رادار أو حرب إلكترونية أو دفاع جوي تركية في شمال سوريا لا يستدعي بالضرورة استخدام إسرائيل للقوة العسكرية. وفي المقابل، تحدد الدراسة وسط سوريا وجنوبها باعتبارهما منطقتين تستدعيان خطوطاً حمراء إسرائيلية أكثر تشدداً، بسبب قربهما من مناطق انتشار القوات الإسرائيلية.

وتذهب تقديرات إسرائيلية أخرى إلى أن تنامي النفوذ التركي قد يتجاوز حدود الترتيبات العسكرية في سوريا، ليصبح تحدياً إقليمياً أوسع. ويتركز جانب من هذا القلق على احتمال أن تصبح تركيا مؤثرة في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل الجيش والعلاقات الأمنية والاقتصادية. وفي دراسة نشرها معهد القدس للاستراتيجية والأمن في 21 أيار/ مايو 2026، حذر غابي سيبوني وإيريز وينر من أن توسع النفوذ التركي إقليمياً، بما في ذلك داخل سوريا، قد يجعل أنقرة تهديداً استراتيجياً طويل الأمد لإسرائيل. ودعا الباحثان إلى تعزيز القدرات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية وتوسيع التعاون الأمني مع اليونان وقبرص. كما حذرت دراسة نشرها معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي (JINSA) في 8 أيلول/ سبتمبر 2026 من أن نشر منظومات رادار ودفاع جوي تركية داخل سوريا قد يقيد تدريجياً حرية عمل الطيران الإسرائيلي، معتبرة أن الغارة على أبو الظهور تعكس توجهاً إسرائيلياً لمنع تشكل ترتيبات عسكرية تركية جديدة قبل أن تصبح واقعاً يصعب تغييره. أما الموقف الرسمي الإسرائيلي، فقد عبر عنه وزير الخارجية جدعون ساعر في 22 آب/ أغسطس 2026، عندما قال إن إسرائيل لن تقبل إقامة قواعد تركية في سوريا، مع تأكيده عدم رغبة بلاده في التصعيد مع أنقرة وتفضيل الحلول الدبلوماسية.

ماذا عن سوريا.. دولةً وشعباً؟

في 22 أيلول/ سبتمبر 2026، قال أحمد الشرع، خلال جلسة حوارية استضافها المجلس الأطلسي في نيويورك، إن سوريا تسعى إلى عدم وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، مؤكداً أن أي وجود عسكري أجنبي ينبغي أن يخضع لإطار قانوني وموافقة المؤسسات السورية المختصة. وفي حديثه عن القوات التركية، أوضح أن وجودها ارتبط في مرحلة سابقة بالمخاوف الأمنية التركية على الحدود، وأن دمشق تعمل على تنظيمه ضمن إطار قانوني.

يحمل حديث الشرع عن قوننة الوجود التركي في سوريا أبعاداً مختلفة. فمن ناحية، يصعب على الشرع الاستغناء عن الدعم التركي في هذه المرحلة، إذ تحتاج البلاد إلى إعادة بناء جيشها، وتوحيد تشكيلاتها العسكرية، وتطوير قدرات التدريب والتسليح والصيانة والدفاع الجوي. وتمتلك تركيا خبرات وإمكانات تحتاج إليها سوريا، لكن قيمة هذا التعاون ستظل مرتبطة بقدرته على بناء مؤسسات عسكرية مستقلة، لا إبقائها معتمدة على الطرف الذي يقدم الدعم. وقد يجعل غياب الضوابط الواضحة بعض القدرات العسكرية مرتبطة باستمرار الدعم الخارجي، ويمنح الطرف المقدم له تأثيراً يتجاوز حدود التدريب والتسليح.

تتضاعف المخاطر عندما يتزامن هذا الاعتماد المحتمل مع تصاعد التنافس التركي الإسرائيلي. فإذا تحولت مواقع عسكرية سورية إلى جزء من ترتيبات تركية ترى إسرائيل أنها تهدد أمنها، فقد تصبح هذه المواقع عرضة للاستهداف، وتجد دمشق نفسها أمام كلفة أمنية لا تقتصر على خسارة منشآت أو معدات، بل قد تمتد إلى تعطيل إعادة بناء الجيش وتعميق عدم الاستقرار. أما بالنسبة للسوريين، الذين أنهكتهم سنوات الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، فيحتاجون إلى بيئة مستقرة تتيح استعادة الحياة والخدمات وإعادة الإعمار، لا إلى دورة جديدة من الصراع. ولا يمكن فصل هذا الاستقرار عن قدرة السلطة الانتقالية على ضبط وجود القوات الأجنبية، ومنع استخدام أراضيها في صراعات إقليمية لا تملك تحديد مساراتها أو نتائجها.

في المحصلة، يتطلب الحد من هذه المخاطر اتفاقات واضحة تحدد مهام القوات الأجنبية، ومدة وجودها، وشروط استخدام القواعد والأجواء، وآليات الرقابة السورية، ومسؤوليات الأطراف في حال التصعيد. كما يمكن تفعيل قنوات الاتصال بين دمشق وأنقرة وتل أبيب، بوساطة أميركية عند الحاجة، أن تقلل احتمالات “سوء التقدير”، من دون أن تزيل تعارض المصالح بينها في المرحلة الراهنة.

شارك الخبر: