سوريا: ضبط 450 ألف حبة كبتاغون في حمص خلال أسبوع.. شبكات المخدرات تتحدى الزمن


هذا الخبر بعنوان "450 ألف حبة كبتاغون في حمص خلال أسبوع.. كيف نشأت شبكات المخدرات في سوريا ولماذا لم تختف؟" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تطور جديد يعيد تسليط الضوء على قضية تجارة المخدرات، أعلنت السلطات السورية عن ضبط 250 ألف حبة كبتاغون وإيقاف شخصين مشتبه بهما في ريف حمص الجنوبي، مما رفع حصيلة ما تم ضبطه في عمليتين بمحافظة حمص خلال نحو أسبوع إلى 450 ألف حبة. وبحسب وكالة الأنباء السورية «سانا»، جاءت هذه العملية عقب ورود بلاغ عن تحركات مشبوهة لسيارة في إحدى المزارع المهجورة. وكشف رئيس فرع مكافحة المخدرات في حمص، ماهر شبيب، عن العثور على 50 ألف حبة داخل كيس في السيارة، و200 ألف حبة أخرى مخبأة في العجلة الاحتياطية. وأضاف شبيب أنه تم ضبط 200 ألف حبة كبتاغون إضافية في عملية منفصلة بريف حمص الغربي خلال الأسبوع الماضي، في وقت تشهد فيه محافظات سورية أخرى عمليات متلاحقة لملاحقة شبكات الاتجار والتهريب.
وتأتي هذه الضبطيات في سياق حملات مستمرة لمكافحة المخدرات، حيث أعلنت إدارة مكافحة المخدرات في السادس من تشرين الأول الجاري عن ضبط 210 آلاف حبة كبتاغون و62 كيلوغراماً من الحشيش في ريف دمشق ضمن شحنة قادمة من لبنان. كما أحبطت في التاسع من الشهر محاولة تهريب 129 ألف حبة عبر معبر جديدة يابوس، قبل أن تعلن في الحادي عشر منه ضبط أكثر من 100 ألف حبة كانت مخبأة داخل الإطار الاحتياطي لشاحنة تبريد متجهة إلى السعودية عبر معبر نصيب الحدودي. ولم تقتصر العمليات على الكبتاغون، إذ أعلنت وزارة الداخلية في العاشر من تشرين الأول تفكيك شبكة لتهريب المخدرات تنشط في دير الزور والحسكة وعلى الحدود العراقية، وضبط كميات من مادة الكريستال ميث المخدرة.
هذه الضبطيات المتلاحقة تعيد طرح قضية ظلت مرتبطة بسوريا طوال سنوات الحرب، بعدما تحولت أجزاء من البلاد إلى مراكز لتصنيع الكبتاغون وتخزينه وتهريبه إلى دول المنطقة. ورغم أن تجارة الكبتاغون كانت معروفة قبل عام 2011، إلا أن الحرب السورية وفرت ظروفاً ساعدت على توسعها، حيث أدى انهيار قطاعات اقتصادية وتراجع الرقابة إلى تنشيط شبكات التهريب، بالتزامن مع اتساع الطلب على الحبوب المخدرة في أسواق خارجية، خصوصاً في بعض دول الخليج. ومع مرور السنوات، تحولت التجارة من نشاط تقوده مجموعات تهريب إلى صناعة واسعة ارتبطت بمراكز نفوذ عسكرية وأمنية داخل النظام السابق، مستفيدة من الحماية والقدرة على نقل الشحنات عبر الطرق والمعابر.
وفي آذار 2023، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شخصيات سورية ولبنانية اتهمتها بالضلوع في تصنيع الكبتاغون وتهريبه، وكشفت في بيانها عن دور الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، في تسهيل إنتاج المخدرات والاتجار بها. وورد اسم سامر كمال الأسد، ابن عم بشار الأسد، ضمن الشخصيات التي شملتها العقوبات، إذ اتهمته واشنطن بالإشراف على منشآت لإنتاج الكبتاغون في اللاذقية، بالتنسيق مع الفرقة الرابعة وأشخاص مرتبطين بحزب الله اللبناني. كما اتهمت وسيم بديع الأسد بالمشاركة في شبكة إقليمية لتهريب المخدرات، وأشارت إلى دور رجل الأعمال السوري خلدون قدور في إدارة عائدات أنشطة مرتبطة بماهر الأسد. وامتدت الشبكات إلى لبنان، حيث برز اسم حسن دقو، الذي وصفته تقارير إعلامية بملك الكبتاغون. ووفق العقوبات الأمريكية، ارتبط دقو بعمليات تهريب نفذتها شبكات على صلة بالفرقة الرابعة، مع حماية قيل إنها قُدمت من أشخاص مرتبطين بحزب الله. وفي دراسة نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في آذار 2025، وردت تفاصيل عن تحقيقات أجرتها السلطات اللبنانية وكشفت اتصالات بين دقو وغسان بلال، أحد أبرز المسؤولين في مكتب ماهر الأسد، بشأن شحنات مخدرات قادمة من سوريا.
لم يكن النشاط محصوراً بمنشأة أو مجموعة واحدة، بل اعتمد على شبكة تضم منتجين ووسطاء وناقلين ومهربين، يعمل بعضهم عبر الحدود السورية اللبنانية، بينما تولى آخرون ترتيب نقل الشحنات إلى الأسواق الخارجية. وساعد موقع سوريا الجغرافي على توسع هذه التجارة، بحكم اتصالها بلبنان والأردن والعراق، ووجود طرق تجارية تؤدي إلى الأسواق الإقليمية. ومع توافر الحماية لبعض الشبكات، أصبح إخفاء الحبوب داخل شحنات تجارية ووسائل نقل مختلفة جزءاً من أساليب التهريب المستخدمة. وكشفت عمليات الضبط خارج سوريا حجم هذا النشاط، ومن أبرزها مصادرة السلطات الإيطالية عام 2020 نحو 84 مليون حبة كبتاغون في ميناء ساليرنو، قالت وزارة الخزانة الأمريكية لاحقاً إنها صُنعت في منشأة تعود إلى سامر كمال الأسد في اللاذقية.
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، بدأت تتكشف منشآت ومخازن استُخدمت في تصنيع المخدرات وتجهيزها للتصدير. ووثقت وكالة رويترز في الشهر نفسه موقعاً صناعياً في دوما بريف دمشق، عُثر فيه على تجهيزات لإنتاج الكبتاغون وكميات من الحبوب المخدرة ومواد استُخدمت لإخفائها داخل سلع معدة للنقل. وأعلنت السلطات السورية الجديدة بعد ذلك تنفيذ حملات لملاحقة الشبكات وتفكيك معامل التصنيع. ووفق حصيلة رسمية نشرتها سانا في أيلول الماضي، قالت إدارة مكافحة المخدرات إنها فككت 90 شبكة تهريب دولية وأغلقت 17 منشأة لإنتاج الكبتاغون، ضمن عمليات نفذتها بين كانون الأول 2024 وحزيران 2026. غير أن استمرار الضبطيات يطرح سؤالاً عن مصدر الحبوب التي ما زالت تعبر الحدود وما إذا كانت ناتجة عن معامل تعمل حالياً أم من مخزونات صُنعت قبل سقوط النظام، أم من منشآت خارج الأراضي السورية.
في تقرير المخدرات العالمي لعام 2026، أشار مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى اضطراب تجارة الكبتاغون بعد سقوط النظام السابق وتفكيك منشآت إنتاج كبيرة في سوريا، لكنه حذر من استمرار حركة التهريب وتغير أسواق المخدرات الاصطناعية في المنطقة. ورجح مسؤولون أمميون أن تكون بعض الشحنات المتداولة ناتجة عن مخزونات قديمة يحاول المهربون تصريفها، بالتزامن مع تزايد حضور مادة الميثامفيتامين في أسواق الشرق الأوسط. وهذا يعني أن استمرار ضبط الكبتاغون لا يثبت وحده استمرار إنتاجه داخل سوريا بالمستويات السابقة، كما أن تفكيك المعامل لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الشبكات التي تولت تسويقه ونقله لسنوات.
تظهر حمص في هذه القضية بحكم موقعها على الطرق التي تربط الداخل السوري بالحدود اللبنانية، ولا سيما المناطق المحيطة بالقصير، التي شهدت نشاطاً لشبكات تهريب خلال سنوات الحرب. وقد يساعد هذا الموقع في تفسير تكرار الضبطيات بالمحافظة، لكنه لا يكفي لتحديد مصدر كل شحنة أو الجهة التي تقف خلفها. وتظهر عمليات تشرين الأول أن مكافحة المخدرات باتت تشمل مسارات متعددة بعضها مرتبط بشحنات قادمة من لبنان وبعضها يتجه نحو الأردن ودول الخليج، إلى جانب شبكات تنشط في المناطق الشرقية وعلى الحدود العراقية. وفي حين كانت أسماء شخصيات مرتبطة بالنظام السابق حاضرة في التحقيقات والعقوبات الدولية المتعلقة بتصنيع الكبتاغون، لم تكشف البيانات الرسمية عن جميع الجهات التي تدير شبكات التهريب الحالية أو مصادر تمويلها. وتبقى هذه النقطة أساسية في فهم استمرار التجارة، لأن ملاحقة الشحنات لا تعني بالضرورة الوصول إلى أصحابها أو الجهات التي تمولها، خصوصاً بعدما عملت بعض الشبكات لسنوات عبر أكثر من دولة، وراكمت علاقات وخبرات في النقل وإخفاء الأموال.
ولا تقف المشكلة عند الحدود. فانتشار المواد المخدرة داخل المجتمع السوري يفرض تحدياً آخر يتعلق بالوقاية والعلاج، في ظل الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب، وصعوبة معرفة حجم التعاطي من دون بيانات صحية وإحصاءات وطنية محدثة. وبينما تعلن السلطات بصورة متكررة عن توقيف مهربين وضبط شحنات جديدة، ما زالت المعلومات المتاحة محدودة بشأن حجم السوق المحلية، وأعداد المتعاطين، ومسارات الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات. وتأتي ضبطية حمص الأخيرة لتؤكد أن الملف لم يُغلق بسقوط النظام السابق أو تفكيك عدد من معامل الكبتاغون. فقد تضررت البنية التي ساعدت على تحويل سوريا إلى مركز رئيسي للإنتاج، لكن طرق التهريب والشبكات العابرة للحدود لم تختف بالكامل. أما معرفة الجهات التي تواصل إدارة هذه التجارة اليوم فتحتاج إلى نتائج تحقيقات تكشف مصادر الشحنات والتمويل والجهات المتورطة فيها بعيداً عن افتراض أن كل ضبطية جديدة تقف خلفها بالضرورة الشبكات نفسها التي نشطت في عهد الأسد.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة