سوريا
منوعات

تقاليد عريقة في الحسكة: سكان القرى يجددون منازلهم الطينية بالطين والتبن استعداداً للشتاء

enabbaladi.net٢٦ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٣ ص0 مشاهدة
تقاليد عريقة في الحسكة: سكان القرى يجددون منازلهم الطينية بالطين والتبن استعداداً للشتاء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قبل الشتاء.. سكان قرى الحسكة يجددون بيوتهم بالطين والتبن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع اقتراب فصل الشتاء، تشهد قرى محافظة الحسكة انطلاق عمليات "السياع" أو "اللياص"، وهي تقاليد سنوية تهدف إلى ترميم البيوت الطينية وحمايتها من مياه الأمطار. تحولت هذه الممارسة في العديد من المناطق إلى مناسبة اجتماعية يشارك فيها الجيران والأقارب إلى جانب أفراد العائلة. تعتمد هذه العملية على طلاء الأسقف والجدران بطبقة جديدة من مزيج الطين والتبن، مستخدمة أساليب ومواد متوارثة، في ظل استمرار وجود هذه المنازل في عدة قرى رغم زحف البناء الإسمنتي.

تعتمد البيوت الطينية بشكل أساسي على مكونات محلية مثل التراب والتبن والقش والماء، مما يجعل تكاليف إنشائها وصيانتها منخفضة مقارنة بالمنازل المصنوعة من الإسمنت. وفي هذا السياق، يوضح ياسر العبد اللطيف، أحد سكان ريف الحسكة الشرقي، أن البيوت الطينية تتميز بأنها أرخص وتوفر برودة في الصيف ودفئاً في الشتاء، لافتاً إلى حرص السكان على ترميمها دورياً قبل هطول الأمطار لتجنب تسرب المياه. تُشاد الجدران من لبنات طينية مخلوطة بالتراب والماء وتبن القمح أو الشعير ضمن قوالب خشبية تُعرف بـ"المِلبَن"، بينما تتألف الأسقف من عوارض خشبية مغطاة بالقصب أو "الزل" والشوادر، وتُتوج بطبقات من القش والطين. وتتنوع تصاميم الأسقف حسب المناطق، ففي أقصى الشمال الشرقي للمحافظة تُبنى على شكل "تبة" مرتفعة وسط السطح لمنع تراكم المياه مع استخدام "رفوف توتياء" لتصريفها، بينما تكون مسطحة بمزاريب من التنك في مناطق أخرى، أو تأخذ شكلاً هرمياً شديد الميل يُعرف بـ"درباسية" ويُستغل لتخزين الأعلاف أو لحظائر الحيوانات.

تبدأ طقوس "السياع" عادة مع نهاية أيلول وبداية تشرين الأول لتفقد الأجزاء المتضررة من الأسقف والجدران قبل اشتداد الأمطار. تبدأ الخطوات بتحضير "الجبلة" المكونة من الطين والماء والتبن، حيث يفضل البعض استخدام التبن الناعم لتماسك أفضل. ويشير مجيد الحامد، من سكان ريف الحسكة الشمالي، إلى أن السكان يتوارثون هذه الخبرات عن آبائهم، مضيفاً أن التبن الناعم يعطي صلابة للخليط، بينما كان المازوت يُضاف أحياناً لمنع نمو البذور. بعد اكتمال الخلطة، تُنقل إلى الأسطح بالسطول والحبال ليتولى ذوو الخبرة توزيعها وتسويتها باستخدام "المالج" لردم الفراغات وتفادي تسرب الأمطار. وفي بعض الأحيان، أدخل الأهالي مواد حديثة كالنايلون والكرتون كعوازل تحت الطين. ويوضح عبود المحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، أن السكان يفضلون القش لخصائصه في العزل الحراري، بينما انتشر النايلون لتوفر وسهولة استخدامه.

لا تقتصر أعمال الترميم على العمل الفردي، بل ترافقها عادة "الفزعة" التي تمثل مظهراً للتكافل الاجتماعي وتقديم المساعدة دون مقابل. ويصف مجيد الحامد هذه الأجواء بأنها تجمع الكبار والصغار في مناخات من الأحاديث المتبادلة وتوطيد العلاقات، وهو ما يؤكده ياسر العبد اللطيف بأن "الفزعة" ترمم العلاقات الإنسانية تماماً كما ترمم البيوت، وسط مشاركة النساء في إعداد الطعام. ورغم أن الأعمال كانت تعتمد كلياً على التطوع في السابق، إلا أن الظروف الاقتصادية أدخلت أجور العمالة في بعض الجوانب، دون أن تلغي روح التعاون الاجتماعي والقرابتين. ويوضح الباحث الاجتماعي أحمد الحسن أن هذا التعاون ضروري لطبيعة العمل الذي يتطلب تضافر الجهود في تحضير ونقل وتسوية الخليط، فضلاً عن دوره في نقل الخبرات والمعارف العملية بين الأجيال الشابة والكبيرة.

إلى جانب البعد الاجتماعي، تمثل البيوت الطينية خياراً اقتصادياً مستداماً للأسر ذات الدخل المحدود نظراً لتوفر موادها الأولية بيئياً وعدم احتياجها لمعدات معقدة. كما تساهم في تنظيم درجات الحرارة داخل المنازل بشكل طبيعي وصديق للبيئة. ورغم التحديات الناجمة عن انتشار مواد البناء الحديثة وتغير أنماط الحياة وتحول جزء من الأعمال إلى عمالة مدفوعة، يظل سكان أرياف الحسكة متمسكين ببيوتهم الطينية كإرث ثقافي وذاكرة حية. وتستمر طقوس "السياع" في الخريف من كل عام كحلقة وصل تحافظ على الخبرات المتوارثه وروح التعاون المجتمعي التي رافقت هذه البيوت عبر الزمن.

شارك الخبر: