مستقبل المشهد الثقافي في سورية: نقاشات حول صياغة السياسات ودور المؤسسات المستقلة


هذا الخبر بعنوان "“الموجة الجديدة؟”.. من يصوغ سياسة الثقافة السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة بناء مؤسساتها وقطاعاتها بعد سنوات طويلة من الحرب والحكم المركزي، لا يبدو القطاع الثقافي منفصلًا عن الأسئلة التي تطال شكل الدولة الجديدة وطريقة إدارة المجال العام. فإلى جانب إعادة تأهيل المؤسسات والمنشآت، يبرز سؤال آخر يتعلق بما تنتجه الدولة والمجتمع من سياسات تحدد موقع الثقافة في الحياة العامة، ومن يشارك في وضعها، وكيف يمكن تمويلها، وما المساحة التي تتركها للمبادرات المستقلة.
في هذا السياق، جاءت فعالية “الموجة الجديدة؟”، التي نظمتها مؤسسة “خزّان، معمل، ثقافة”، التي تعنى بالقطاع الثقافي، في دمشق مساء الثلاثاء 15 من أيلول، لتفتح نقاشًا حول التحولات التي يشهدها العمل الثقافي السوري، لا من زاوية الإنتاج الفني وحده، وإنما من زاوية البنية التي يعمل ضمنها الفنانون والمبادرات والمؤسسات الثقافية. عنوان “الموجة الجديدة؟” يحمل سؤالًا أكثر مما يقدم إجابة، فبحسب الشريك المؤسس في “خزّان” أنس يونس، لم يكن المقصود من تسمية الفعالية بـ”الموجة الجديدة؟”، الإعلان عن قطيعة مع ما سبقها، ولا القول إن هناك جيلًا جديدًا ألغى التجارب السابقة، بل محاولة لرصد كيانات ومبادرات ظهرت أو تطورت خلال السنوات الأخيرة، وتتعامل مع العمل الثقافي بطرق مختلفة على مستوى الحوكمة والاقتصاد وأساليب العمل.
وتقول الفكرة التي قامت عليها الفعالية إن هذه التجارب لا تبدأ من الصفر، وإنما تنطلق من تراكم سابق وتحاول بناء جسور معه، لكنها في الوقت نفسه تطرح مقاربات جديدة للعمل الثقافي. ولم تقتصر “الموجة الجديدة؟” على النقاشات المتعلقة بالسياسات والمشهد الثقافي، بل جمعت بين النقاش الفكري والممارسة الفنية، ضمن برنامج تضمن جلسات حول الثقافة الاقتصاد والسياسات، إلى جانب ممارسات فنية وأدائية وموسيقية.
وتناول برنامج الفعالية، التي حضرتها عنب بلدي، واستمرت أكثر من ست ساعات، جلسات حوارية ونقاشية حول واقع الثقافة السورية والسياسات الثقافية والاقتصاد الثقافي، إلى جانب محاضرة أدائية بعنوان “كأنما شيء ما سيحدث”، والتي تناولت الحقل الثقافي السوري، إلى جانب فقرة موسيقية بعنوان “أصوات من قامشلو” تتقاطع فيها الموسيقى الكردية والعربية والسريانية. لكن النقاشات التي رافقت الفعالية ذهبت أبعد من البرنامج الفني، ووضعت مجموعة من الأسئلة أمام المشهد الثقافي السوري حول وجود سياسة ثقافية واضحة وحق صياغتها ودور وزارة الثقافة وموقع المبادرات المستقلة.
كان نقاش السياسات الثقافية أحد المحاور الأساسية في الفعالية، وانطلق من سؤال يتعلق بماهية السياسة الثقافية أصلًا. وعرّفت روان تكريتي، الشريكة المؤسسة ومديرة البرامج في “خزّان”، السياسة الثقافية بأنها مجموعة الآليات والإجراءات والتدابير التي تضعها الدولة لتنظيم العمل الثقافي، على أن تكون في صورة وثيقة واضحة تمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتتضمن أهدافًا محددة. وترى تكريتي أن وضع السياسة نفسها ينبغي أن يكون تشاركيًا، عبر التعاون مع المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين والجهات المستقلة العاملة في القطاع.
وفي المقابل، طرحت شيرين سعيد، مديرة البرامج في المركز السوري للبحوث والسياسات، قراءة مختلفة لمسألة الغياب، إذ لا ترى أن المشهد يخلو بالضرورة من سياسات، وإنما يمكن أن تكون هناك سياسات غير معلنة أو غير مباشرة تؤثر في المجال الثقافي، مشيرة إلى أن السياسة الثقافية جزء من السياسة العامة وليست ملفًا منفصلًا عنها.
وتوسّع النقاش في الفعالية إلى النماذج الأربعة الرئيسية لإدارة الثقافة؛ بدءًا من نموذج الدولة المنتجة للفنون، مرورًا بنموذج اللامركزية المرتبطة بالمحافظات، وصولًا إلى نموذج الدولة الراعية للفنون والنموذج المعتمد على الدعم الخاص والمجتمعي. كما أظهر النقاش أن السياسة الثقافية لا تتعلق بالميزانية وحدها، بل تشمل الأهداف والفترة الزمنية وآليات التنفيذ، متطرقين إلى أثر الاقتصاد في الثقافة، وتراجع الطبقة الوسطى، والبنية التحتية الثقافية.
وفي ختام الفعالية، لم تُقدم إجابات نهائية عن الأسئلة المطروحة، بل وُضعت التساؤلات المتعلقة بالثقافة والسياسة والعمل الثقافي في مساحة واحدة، لتبقى الإجابة عن شكل المرحلة المقبلة معلقة على ما يمكن أن تنتجه هذه النقاشات والتجارب لاحقًا.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة