معضلة العودة إلى سوريا: بين حنين المطار وبناء الثقة ومستقبل الكفاءات


هذا الخبر بعنوان "عودة السوريين لا تبدأ من المطار" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجاوز رحلة العودة إلى سوريا مجرد عبور بوابة المطار، لتصطدم بقرار أصعب يتعلق بربط المستقبل بالوطن الذي غادره أبناؤه لسنوات طويلة من الغياب وبناء حياة كاملة في مكان آخر. عقب سقوط نظام الأسد، عاد كثيرون ممن غابوا طويلاً، شملوا سياسيين وأكاديميين وأصحاب خبرات ورجال أعمال وناشطون، بعضهم لزيارة بيت تركه خلفه وبعضهم برغبة حقيقية للمشاركة في المرحلة الجديدة.
أثار الكاتب السوري عمار ديوب في مقال نشره في العربي الجديد في 6 أيلول، تحت عنوان “لماذا لا تعود النخب السورية؟”، تساؤلاً جوهرياً حول خفوت حماسة النخب للعودة بعد الأشهر الأولى التي شهدت زيارات ولقاءات مكثفة. فالمشكلة لا تكمن في الحنين الذي لم يفارق السوريين، بل في صعوبة تحويل الزيارة القصيرة إلى قرار بالعيش والعمل وتربية الأولاد وبناء المستقبل، فالحنين يحجز تذكرة سفر لكنه لا يكفي لبناء حياة.
فقدت سوريا خلال العقود الماضية أعداداً كبيرة من أبنائها إلى جانب سنوات من الخبرة تراكمت خارج البلاد؛ من طبيب غادر في بداية مسيرته وأصبح صاحب خبرة، إلى مهندس وباحث وأستاذ جامعي ورجل أعمال امتلكوا معرفة وعلاقات واسعة. من هنا تصبح عودة هؤلاء جزءاً أساسياً من عملية إعادة إعمار البلاد التي لا تقتصر على الطرق والأبنية والكهرباء، بل تتطلب إعادة بناء الثقة الصعبة، ليطرح العائد أسئلة مصيرية حول فرص العمل، وتأسيس المشاريع، وحماية الاستثمارات، والقوانين، والشعور بأن خبرته مطلوبة وله مكان حقيقي في البلد الجديد.
إن وضع السوري في الخارج أمام خيارين إما العودة النهائية أو البقاء بعيداً يُعد خطأً فادحاً، إذ يمكن للدولة السورية استعادة خبرات أبنائها تدريجياً قبل استعادة عناوين سكنهم؛ كأن يعود الطبيب لتدريب فريق، أو يشارك الأستاذ الجامعي في برنامج أكاديمي، أو يسهم المهندس والخبير الاقتصادي ورجل الأعمال في مشاريع محدودة تتوسع لاحقاً مع استقرار البيئة. وتتطابق هذه الفكرة مع ما أوردته المنظمة الدولية للهجرة في خطتها لعام 2026 بشأن برامج تتيح مشاركة الكفاءات السورية في مسارات عودة منظمة وآمنة عندما تسمح الظروف.
ولا ينبغي أن يتحول قرار العودة إلى اختبار للوطنية، نظراً لأن ملايين السوريين خرجوا من أتون الحرب والاعتقال والخوف والفقد ليبنوا حياة جديدة مع عائلاتهم ومدارسهم وأعمالهم. وبدلاً من تكرار سؤال "لماذا لا تعودون؟"، يجدر بالدولة السورية التساؤل عما تحتاجه لكي تصبح العودة خياراً ممكناً، وسط تأكيد بيانات منظمة الهجرة أن استدامة العودة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن والسكن والخدمات وسبل العيش والبنية التحتية.
تمتلك سوريا اليوم فرصة نادرة بوجود ملايين المغتربين الذين يمكن لخبراتهم اختصار سنوات من التجربة والخطأ، بشرط أن تجد تلك العقول بيئة يشعر فيها السوري بأن ما بناه في الغربة لن يضيع، وأن عودته ليست مغامرة، وأن له مكاناً حقيقياً في مستقبل سوريا يوازي مكانة سوريا في ذاكرته، فالحنين يعيد الإنسان أياماً أو أسابيع، بينما الثقة هي التي تعيده عمراً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة