سوريا
سياسة

سيادة القانون والمواطنة كدرع في مواجهة العنف المجتمعي

حرية برس٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:١٩ ص0 مشاهدة
سيادة القانون والمواطنة كدرع في مواجهة العنف المجتمعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المواطنة وسلطان القانون بمواجهة العنف الاجتماعي" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد سنوات طويلة من الصراع المسلح، صمتت البنادق وتأمل السوريون أن السلام قد حل، لكن سوسيولوجيا الحروب تشير إلى غير ذلك. في النزاعات المعقدة المتشابكة، لا تنتهي الحروب بإطلاق الرصاصة الأخيرة، فالصفحة الأخيرة التي تطوى من الصراع تحتاج البدء بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية التي تهشّمت، وهذه المهمة أعقد من الانتصار العسكري، لأنها مواجهة صعبة مع ترسبات انعدام الثقة والخوف والانكسار في الأعماق الجمعية، وإنهاء تبعات العنف الاجتماعي التي لا تظهر مشاهدها على الجبهات العسكرية المنظمة، وإنما في زواريب وشوارع وأزقة المدن والقرى، لتتحول تداعيات العنف المسلح إلى أنساق من التوتر اليومي المرير، تُخضع العلاقات الإنسانية لمنطق الشك والترقب والانكماش على الذات.

يصف عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم هذه الحالة بـ”الأنومي” (Anomie) أو ”تفكك المعايير”، وهي مرحلة انهيار القيم والضوابط الأخلاقية والاجتماعية التي تنظم سلوك الأفراد عقب الأزمات الكبرى، حيث يكون الخضوع للقانون في مرحلة تراجع واضح، والشكوك كبيرة بتوجهات السلطات الأمنية الجديدة، وتصبح القيم الجماعية هشة، ويفقد الفرد في هذه الحالة بصيرته الأخلاقية في مجتمع أصبحت معاييره السابقة غير قادرة على احتوائه، فيعيش المواطن حالة تيه بين حريته الجديدة، المنبثقة من سقوط السلطة المستبدة، ومسؤولياته القديمة التي لم تعد صالحة، ما يولد لديه قلقاً وجودياً عميقاً، يدفعه للبحث عن ملاذ آمن، فينكفئ على الجماعات الأولية بحثاً عن نظام رمزي يعوضه عن فوضى المعايير، وضعف إنفاذ القانون.

وفي سوريا اليوم، يبدو هذا التوصيف دقيقاً؛ إذ تُثبت الأحداث التي نعيشها منذ سقوط نظام الأسد تزايد هذه المخاطر الكامنة في البنية الاجتماعية، يرتبط بعضها بتوترات بين بعض المواطنين ورجال إنفاذ القانون، معظمها ناتج عن سوء فهم وانعدام ثقة بسلوك وتوجهات عناصر السلطة الأمنية، نتيجة تجارب السوريين السابقة المريرة مع أجهزة الأمن ومنتسبيها. كما تجلت هذه الإشكاليات مؤخراً في الأحداث المؤسفة التي شهدتها بلدة ”جديدة عرطوز” بريف دمشق، التي يمكن النظر إليها باعتبارها نافذة على أزمة ثلاثية الأبعاد تشمل البعد الديموغرافي والاقتصادي والقانوني.

في مواجهة هذا المشهد المعقد، يبرز دور النخب المحلية وشيوخ العشائر ومنظمات المجتمع المدني كحاجز أساسي لمنع الصدام الأهلي، مع التأكيد على أهمية تفعيل العدالة الناجزة والمساواة أمام القانون، ومأسسة الحوار المجتمعي، وإصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية، لتكون الدولة السورية هي المَلاذ الأول والأخير لإنفاذ القانون والعدالة.

شارك الخبر: