ماذا لو لم تسقط الدولة العثمانية؟ قراءة في سيناريوهات التاريخ البديل والجيوسياسة


هذا الخبر بعنوان "ماذا لو لم تسقط الدولة العثمانية؟" نشر أولاً على موقع شام تايمز وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا أظن أن هناك سؤالاً يؤرق الوجدان التاريخي والسياسي للمنطقة العربية والشرق أوسطية كما يفعل هذا السؤال الساخر من حركة الزمن: ماذا لو لم تسقط الدولة العثمانية؟ غالباً ما تقع الإجابات عن هذا السؤال الشائك في فخّين لا ثالث لهما؛ الأول هو الفخ النوستالجي العاطفي الذي يتخيل الشرق أوسط يسبح في ثراء هادئ بلا صراعات أو حدود صاغها سايكس بيكو. والثاني هو الفخ الاستشراقي الذي يفترض أن بقاء رجل أوروبا المريض كان سيعني غرق المنطقة في ظلَمات الركود والجهل إلى الأبد.
لكن بعيداً عن العاطفة والانحيازات الأيديولوجية، كيف كان سيبدو شكل العالم اليوم لو أن تلك الإمبراطورية الممتدة عبر ثلاث قارات نجت من مقصلة الحرب العالمية الأولى؟
لو فرضنا أن الدولة العثمانية تجاوزت أعاصير عام 1918 وتمكنت من إعادة هيكلة بنيتها السياسية، فإن النتيجة الأولى والبديهية هي غياب الخطوط المستقيمة التي رسمتها أقلام الدبلوماسيين الفرنسي والبريطاني على خريطة المنطقة. لم تكن هناك دولة تسمى العراق أو سوريا أو الأردن بحدودها السياسية الحالية. بل كنا سنشهد كياناً كونفدرالياً أو اتحاداً إمبراطورياً يضم ولايات متصلة جغرافياً. وهذا بالضرورة يعني أن القضية الفلسطينية -بشكلها واليتها المعاصرة- لم تكن لتوُجد؛ إذ كان من المستحيل على الحركة الصهيونية الاستيلاء على جغرافيا خاضعة لسلطة مركزية في إسطنبول تمتلك جيشاً نظامياً وقراراً سيادياً موحداً.
لو صمدت الإمبراطورية لقرن إضافي، لكانت أضخم قوة طاقية على وجه الأرض. تفجُّر النفط في أراضي الجزيرة العربية والعراق والعلمين خلال القرن العشرين كان سيصب مباشرة في خزانة إسطنبول أو بنكها المركزي المُحدث. بدلاً من تقسيم الموارد بين دول متعددة تتفاوت في الثراء والاستقرار، كانت هذه الثروة الهائلة ستُستغل لتمويل مشروع مدروس للتحول الصناعي وتحديث البنية التحتية من البصرة إلى سراييفو. ربما كنا سنرى شبكات قطارات فائقة السرعة تربط مكة ببرلين مباشرة، واقتصاداً إقليمياً يفرض شروطه على التكتلات الغربية بدلاً من الارتهان لها.
عانت الدولة العثمانية في أواخر أيامها من صعود القوميات المتطرفة التتريك مقابل القومية العربية. بقاء الإمبراطورية كان يستلزم حتمياً الانتقال من نظام السلطنة المطلقة إلى نظام المشروطية الثالثة أو الاتحاد الفدرالي الشبيه بالنظام السويسري أو النمساوي-المجري قبل فروضه. كنا سنرى مجلساً نيابياً مبعوثان يضم ممثلين عن العرب والترك والأكراد والأرمن والبلقان، ولغات رسمية متعددة في إدارة الولايات. كان النجاح في التعايش سيتطلب التخلي عن مفهوم المركزية القاتلة لصالح حُكم ذاتي واسع النطاق للأقاليم.
في خريطة العالم المعاصر، أدى سقوط العثمانيين إلى فراغ جيوسياسي هائل استقطبت فيه القوى العظمى أمريكا والاتحاد السوفيتي دول المنطقة كأحجار شطرنج. لو بقيت الإمبراطورية قائمة، لكانت شكلت حائط صدٍ طبيعي أمام التمدد السوفيتي نحو المياه الدافئة في المتوسط والخليج، ولربما خاضت الحرب العالمية الثانية من موقع المحياد القوي. هذا كان سيخلق توازناً عالمياً ثلاثي الأقطاب في القرن العشرين: الغرب الكابيتالي، الشرق الشيوعي، والكتلة العثمانية الإسلامية المنتصفة بينهما.
التاريخ لا يعترف بالصدف. سقوط الإمبراطورية العثمانية لم يكن مجرد حادث سير في الحرب العالمية الحرب العالمية الأولى، بل كان نتيجة لتراكم ديون باهظة، وفجوة تكنولوجية شاسعة مع الغرب، وعجز عن مجاراة الثورة الصناعية في الوقت المناسب. لذا، فإن سيناريو بقائها لم يكن ليعني استمرارها بنفس الشكل التقليدي للقرن التاسع عشر، بل كان سيعني ولادة جمهوريات عثمانية متحدة – كيان حديث، يحمل صبغة إسلامية وشرقية، يتحدث بلغات متعددة، ويقف على أرضية اقتصادية صلبة عمادها النفط والموقع الجغرافي الحاكم. ربما خسر العالم بسقوطها تنوعاً حضارياً وفريداً، لكن التاريخ يتجاوز دائماً الكيانات التي تعجز عن تجديد دمائها في شرايين العصريّة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة