سوريا
سياسة

حروف على أبواب الزنازين: صرخات المفقودين ومعضلة العدالة الانتقالية في سوريا

syria.tv٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٩ ص0 مشاهدة
حروف على أبواب الزنازين: صرخات المفقودين ومعضلة العدالة الانتقالية في سوريا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حروف نابضة بالحياة!" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بدت الحروف المحفورة على أبواب الزنازين، وكأنها تنادي بأعلى صوتها، كي تلتفت إليها القلوب العابرة، في مغامرة الخروج إلى النور، بعد سنوات القهر، التي أجبرت الأصابع على حفر الأسماء على أبواب الحديد، قبل أن تمضي في الغياب. ولكن القلوب التي وقفت، أمام صوتها وصورة تكوّنها، هل كانت عابرة حقاً!

قبل حادثة اكتشاف الفتاة لاسم أخيها المفقود في سجون الأسد، على باب إحدى زنازين الفرع 248، في معرض دمشق الدولي، كنت استنكر جلب باب زنزانة إلى معرض عام، على أنه يمثل عبثاً ليس في أدلة جنائية فحسب، وإنما في الذاكرة الوطنية التي أضحت غنيّة وثرية، بحكايات من أُوصدت عليهم تلك الأبواب، وبمصائرهم التي توزعت بين النجاة والموت والاختفاء، طوال ما يزيد على نصف قرن على سجون وفروع أمنية في طول البلاد وعرضها.

تغير موقفي قليلاً، بعد أن توالت قصص اكتشاف الناس لأسماء مفقوديها، عبر باب الزنزانة الحديدي، الصدئ نفسه. لقد أورق الألم مشفوعاً بالأمل مرة أخرى ليعيد مشهد بحث السوريين عن أبنائهم، بعد ما يقارب عامين على اقتحام أسوار السجون وفتح أبوابها. ولكنني قلقٌ من أداء السلطات المعنية بحماية أماكن الاعتقال والتغييب، من عبث غير مسؤول – ربما – كما يتردد اليوم بشأن مطار المزة العسكري، الذي لا يقل ما حدث فيه من جرائم في تدمر وصيدنايا وغيرهما.

إن دهشة الاكتشاف لأسماء مثل أنس عوض، زهير، ومحمد مطر، فادي وفرات وخليل، والمصير الذي آلوا إليه، إلى جانب أسماء المدن والبلدات مثل درعا، مصياف وخان شيخون، تنقلنا إلى صوت تلك الأم الحزينة في الرقة التي رفعت صوتها عالياً، وهي تطالب بمعرفة مصير ابنها الذي اعتقله تنظيم 'قسد' في اللقاء الذي جمع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الأسبوع الماضي. وبين هاتين الحالتين تكمن الآلاف من حكايا الاختفاء القسري للسوريين المغيبين، خلال الفترة ما بين 2011 إلى 2024.

قوة الصوت ووضوحه تستمد بريقاً لا يخفت، من الفضاء العام الذي شهد تحوّلاً مهماً بإعلان مظلوم عبدي حلّ 'قسد'، ليفتح باب الأسئلة الملّحة على مصراعيه في ملفين أساسيين؛ الأول يتصل بالجرائم التي ارتكبها تنظيم 'قسد' إبّان احتلاله لمناطق غرب وشرق الفرات، وإدارتها عبر سلطات الأمر الواقع 'الإدارة الذاتية'. أما الملف الثاني، فهو معرفة مصير المفقودين، والذي يشتمل على معتقلي داعش، ومعتقلي 'قسد'.

تتحمل قيادات قسد المسؤولية القانونية الكاملة فيما يتعلق بملف المفقودين، باعتبارها السلطة الوحيدة التي فرضت سيطرتها على جميع المناطق التي انسحب منها تنظيم 'داعش' الإرهابي. من هنا يمكن فهم المبادرة التي أطلقتها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بالانتقال إلى الجمهور العام والاستماع إلى أسئلته ومطالبه، خصوصاً في الرقة التي تشكل نموذجاً مهماً لما حدث في الحسكة ودير الزور وريف حلب.

إن تغييب العدالة وتغليب الانتقائية لا يمكن أن ينصفا الضحايا، أو يستعصيا على الحل، بل يضيفان حيفاً وظلماً جديداً، مما يفرض ضرورة الاستجابة لمطالب الناس بالعدالة والاستقرار.

شارك الخبر: