شهادات إنسانية من عمق سجن بوكا في العراق وتجربة الاعتقال والذكريات


هذا الخبر بعنوان "من ذاكرة سجن بوكا في العراق" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكثر ما تغير في داخل معتقل بوكا كان الاسم. في الخارج كان الاسم يسبقني إلى الناس؛ يعرفونني به، وأعرف من يناديني من نبرة صوته. أما داخل المعتقل فقد صار الاسم شيئاً يُنتظر. رقم من ستة أحرف أسمعه بلغة إنكليزية من بعيد، فأرفع رأسي وأحاول أن أعرف هل المقصود أنا أم رجل آخر. أحياناً كان النداء يخص شخصاً قريباً مني، فأراه ينهض ويذهب. مع الوقت صرت أتعرف إلى بعض الرجال من أرقامهم قبل أن أعرف ألقابهم، وأعرف وجوه آخرين من دون أن أعرف أرقامهم.
الرقم الذي سأحمله طوال عمري لاحقاً كمصفوفة انتظار، كان حينها مرتبطاً بلحظة واحدة: هل سأخرج؟، وإلى أين؟ الحياة في السجن معلّقة بين زمنين، مساحة بين الموت والحياة، ثم إنَّ الحياة نفسها هناك تقوم على الانتقال الدائم بين حالتين: رجل ينتظر شيئاً، ورجل يشعر أن شيئاً سيحدث له. في بداية الاعتقال زارنا الصليب الأحمر الدولي، مجموعة من السيدات والرجال بلباس نظيف ولغات عدة، سألوني إن كنتُ تعرّضت للتعذيب؟ وثقوا رواياتنا الآنية حينئذٍ تحت ضغط الحدث. لم يقدّموا أبداً وعوداً بالإفراج أو حتى محاولة ذلك.
لاحقاً للزيارة الأولى علمنا أن الرئيس الأميركي حينئذٍ جورج بوش الابن أعلن انتهاء أو وقف العمليات العسكرية في العراق، وهذا انعكس علينا داخل الأسلاك الشائكة بشكل مباشر، فصنّفنا السجانون بين فئتين. الأولى حملت لقب أسير حرب معادي وقد كنت بينها، والثانية معتقل مدني. وكان لهذا التصنيف انعكاس مباشر في شكل الأحاديث وتوقّعات الإفراج. فإذا كان المعتقل أسير حرب فإن العمليات العسكرية قد انتهت وبالتالي سيكون الإفراج قريباً، أما إذا كان معتقلاً مدنياً فهذا يعني احتمالية وضعه في خانة الإرهاب، لكن الحرب لم تنته وفق المنطق الأميركي وهذا ما أطال فترة السجن أكثر وأكثر.
جولات من التحقيق والأسئلة. كنت أراقب الذين يتم استدعاءهم صباحاً للمساءلة وإعادة سرد روايتهم، وأراقب الذين يعودون. أحياناً يعود المعتقل، يجلس على الرمل بيننا كأن شيئاً يحتاج إلى وقت قبل أن يخرج من داخله. يبدأ أحدهم بالحديث، ثم يسكت. يأتي سؤال آخر، فيجيب بكلمة أو كلمتين. كنت أراقب أكثر مما أسأل. طريقة جلوس الرجل، أين يضع يديه، هل ينظر إلى الآخرين أم إلى الأرض، هل يريد أن يتحدث أو يطلب أن يبقى وحده. هذه الأشياء كانت تعطيني صورة عن حاله قبل أن يقول شيئاً. في مكان مثل بوكا، كان الصمت يحمل معلومات كثيرة.
هذا أكثر ما جعلني أحعر بقسوة الزمن هناك: الأشخاص يتغيرون، والمكان يبقى. الرفيق الذي اعتدت على صوته يغيب، يأتي آخر، ثم يغيب هو أيضاً. تعلّمت أيضاً أن لكل إنسان طريقته في حفظ ما تبقى منه. واحد يحفظ القرآن بعد أن وزّع جنود التحالف نسخاً باللغتين العربية والإنكليزية في كتاب واحد. آخر يكرر الأدعية، وثالث يحكي عن عائلته كلما وجد شخصاً يسمعه، ورابع يظل مشغولاً بأخبار الخارج الشحيحة. بعض الرجال كانوا يحفظون أسماء القرى والمدن التي جاء منها الآخرون، وبعضهم صار يعرف قصص المعتقلين أكثر مما يعرف قصته هو.
حين أفكر الآن في تلك المرحلة، أجد أن أكثر ما بقي معي ليس صورة الأسلاك ولا الخيام وحدها. لقد بقيت الطريقة التي تغير بها الإنسان تحت الضغط. رأيت رجالاً يتعلمون الصمت، ورأيت آخرين يتعلمون الكلام، ورأيت أشخاصاً يكتشفون في أنفسهم قدرة على الاحتمال لم يعرفوها من قبل. عشت صداقات نشأت في يومين، وخلافات انتهت بكلمة، ورجالاً حملوا همّ عائلات رجال آخرين. ورجال سكنت أرواحهم قضية أكبر من احتمال أجسادهم، كانت هناك حياة كاملة تنمو في المكان، رغم أن كل شيء حولها كان مصمماً لتقليص حياة الإنسان إلى انتظار. لهذا عندما أستعيد بوكا اليوم، أستعيد الرجال قبل المكان.
ثقافة
اقتصاد
سياسة
سياسة