كيف تعيد الممرات الحيوية وأسواق الطاقة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي بين آشفيل وبيشكيك؟


هذا الخبر بعنوان "من آشفيل إلى بيشكيك.. الممرات والطاقة تعيدان رسم خريطة الاقتصاد العالمي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
واشنطن-بيشكيك-سانا تتقاطع طاولتان دوليتان رئيسيتتان بين آشفيل الأمريكية وبيشكيك القيرغيزية لمناقشة مسارات الاقتصاد العالمي، بما تشمله من نمو وديون وتجارة وطاقة وممرات استراتيجية وآليات دفع، وذلك في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية التي تدفع مختلف الدول نحو إعادة تقييم حساباتها الاقتصادية.
ففي مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا، يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية ضمن فعاليات مجموعة العشرين، التي تضم 19 دولة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، بهدف التباحث حول سبل دعم النمو واستقرار النظام المالي وإدارة الديون وتطوير التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. وفي المقابل، يشهد العاصمة القيرغيزية بيشكيك انعقاد قادة منظمة شنغهاي للتعاون المكونة من عشرة أعضاء، من بينهم الصين وروسيا الهند وإيران وباكستان ودول آسيا الوسطى، وذلك لمناقشة أطر التعاون السياسي والأمني والاقتصادي في ظل توسع دور المنظمة ليشمل قطاعات الطاقة والنقل والتجارة والربط الإقليمي.
تأتي اجتماعات مجموعة العشرين وسط مستويات غير прецеденتية من الدين العالمي وضغوط متزايدة على معدلات النمو والاستثمار، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة وتصاعد التوترات التجارية. ووفقاً لتقارير رويترز، فقد اقترب حجم الدين العالمي في وقت سابق من العام من 353 تريليون دولار، وهو ما دفع مسؤولين أمريكيين إلى التركيز على تعزيز النمو كأداة رئيسية لتخفيف أعباء الديون المتراكمة.
وأوضح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن تحفيز النمو يعد السبيل الأنجع للخروج من أزمة الديون، بينما تركز النقاشات على تدعيم الاستثمار وتأمين سلاسل الإمداد وإعادة هيكلة ديون الدول النامية. كما يحضر الخلاف التجاري مع الصين بقوة على طاولة اجتماعات آشفيل، حيث أشار بيسنت إلى بلوغ الفائض التجاري الصيني نحو 1.2 تريليون دولار، مطالباً أعضاء مجموعة العشرين بإعادة النظر في شروط التبادل التجاري مع بكين والعمل على تحفيز الاستهلاك المحلي الصيني للحد من الاعتماد المفرط على الصادرات.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي التي نقلتها رويترز إلى تراجع العجز التجاري الأمريكي مع الصين خلال النصف الأول من عام 2026 بنحو الثلث مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي ليصل إلى 73.9 مليار دولار، متأثراً بالرسوم الجمركية الأمريكية التي أسهمت في إعادة توجيه جزء من تدفقات السلع الصينية نحو أسواق بديلة.
وفي بيشكيك، تتصدر ملفات الطاقة والتجارة والربط الإقليمي بجانب التعاون السياسي والأمني اهتمامات قمة منظمة شنغهاي للتعاون، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي الذي يمثل فيه أعضاؤها ما يتجاوز 40 بالمئة من سكان العالم ونحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي استناداً إلى بيانات البنك الدولي. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دول المنظمة إلى مواصلة التنسيق المشترك لسياسات قطاع الطاقة التزاماً باستراتيجية التعاون حتى عام 2030، لافتاً إلى تخطي حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الأعضاء حاجز 400 مليار دولار خلال العام المنصرم.
وعلى الصعيد المالي، أكد بوتين أن نسبة العملات الوطنية في تسويات المعاملات التجارية بين روسيا وشركائها في المنظمة قد تجاوزت 98 بالمئة، مما يعكس توسع الاعتماد على العملات المحلية في بعض التعاملات التجارية. ومع ذلك، لا تعكس هذه المؤشرات وجود نظام مالي مشترك متكامل داخل المنظمة، إذ توضح التقارير الاقتصادية استمرار الحاجة الماسة لتطوير آليات دفع ومؤسسات مالية قادرة على تعزيز التجارة البينية وتقليل احتمالات التعرض للعقوبات والمخاطر المرتبطة بالنظام المالي العالمي التقليدي.
وتنعكس آثار العقوبات بوضوح على قطاعي تجارة الطاقة والشحن، بعد أن أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في شهر تموز عقوبات شملت شركات وناقلات بحرية مرتبطة بالنفط الإيراني، متضمنة كيانات تعمل في قطاعي التأمين والخدمات البحرية، مع إطلاق تحذيرات بشأن مخاطر التعامل مع الجهات المدرجة. وتزامناً مع ذلك، أدت الاضطرابات المستمرة في حركة الملاحة بمضيق هرمز إلى تركيز الانظار مجدداً نحو مسارات الطاقة البديلة، حيث توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية عبور نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق خلال عام 2025 وسط محدودية الخيارات البديلة، بينما تظهر إحصاءات حركة السفن تواصل انخفاض أعداد العابرين للمضيق، مما يعظم من قيمة مسارات النقل البديلة.
وضمن هذا السياق، يبرز الدور الحيوي للموقع الجغرافي لسوريا بين العراق وتركيا والبحر المتوسط، سيما بعد توقيع سوريا والعراق في شهر تموز مذكرتي تفاهم تستهدفان إعادة تأهيل وإحياء خط كركوك–بانياس النفطي، بما يمهد لاستعادة أحد خطوط نقل النفط الرئيسية نحو البحر المتوسط ويدعم فرص تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية وتوسيع آفاق الربط التجاري الإقليمي.
وتعكس عضوية الهند المزدوجة في كل من مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي تداخل المصالح الاقتصادية الإستراتيجية، فهي تسعى لتعزيز شراكاتها التجارية وممراتها مع دول آسيا الوسطى وفي الوقت ذاته تحافظ على علاقات اقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة والأسواق الغربية. وبالمثل، تتبادل الصين روابط تجارية واستثمارية واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج إلى جانب توسيع شراكاتها مع روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى.
وبناءً على ذلك، لا تقدم قمة شنغهاي بديلاً مالياً شاملاً ينافس النظام العالمي القائم، كما تعجز مجموعة العشرين عن محو الخلافات التجارية والسياسية بين أعضائها بشكل تام، غير أن اجتماعات آشفيل وبيشكيك تضع قضايا التجارة والطاقة والممرات وآليات الدفع في قلب التحولات الجارية التي يمر بها الاقتصاد العالمي. ومع استمرار هذه التغيرات، تكتسب الممرات والبنية التحتية ومصادر الطاقة دوراً محورياً في مسار التجارة الدولية، بينما يتيح الانفتاح الاقتصادي لسوريا فرصة حقيقية لاستثمار موقعها الإسترايجي في ربط الأسواق الإقليمية ببعضها وبساحل البحر المتوسط.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد