في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.. سوريا تستجلي جغرافيا المقابر للبحث عن المفقودين


هذا الخبر بعنوان "في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.. سوريا تحفر في جغرافيا المقابر بحثاً عن أبنائها" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن الاختفاء القسري في سوريا مجرد وسيلة لإسكات المعارضين أو معاقبة المعتقلين، بل تحول خلال حقبة النظام البائد إلى منظومة متكاملة لانتزاع الإنسان من عائلته وتركه معلقاً بين الحياة والموت. وفي اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، لا يعود السؤال عن عدد المختفيين فحسب، بل عن عدد العائلات التي ما زالت تنتظر، والحقائق المدفونة تحت الأرض.
تقدر الهيئة الوطنية للمفقودين عدد المفقودين في سوريا بين 150 ألفاً و300 ألف شخص، ضمن ولاية زمنية تمتد من عام 1970 حتى اليوم، فيما وثقت الهيئة حتى العام الماضي 63 مقبرة جماعية. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإنها تظل عاجزة عن وصف حجم المأساة؛ فخلف كل اسم أم تنتظر، وأب يفتش في الأوراق، وطفل كبر وهو لا يعرف أين ذهب والده.
مع سقوط النظام، لم تسقط الأدلة، إذ لا تزال بعض المقابر تنتظر الحفر، بينما تعرضت أخرى لمحاولات طمس أو تغيير للمعالم. وتحتاج مقابر أخرى إلى خبراء الطب الشرعي والأنثروبولوجيا وتحليل الحمض النووي لتحويل الرفات المجهولة إلى أسماء تعود لعائلاتها. ومن درعا إلى القامشلي، ومن حمص إلى دير الزور، تتكرر المشهدية ذاتها من عظام مكسورة وأكياس بلاستيكية وأرقام بدل الأسماء، وهو ما يعكس نتيجة منظومة قتل ممنهجة.
ولا تقتصر المأساة على المقابر، بل تمتد إلى المعتقلات والأفرع الأمنية التي مثلت مسارح لجريمة موثقة. وتؤكد الآلية الدولية المحايدة والمستقلة أن منظومة الاحتجاز التابعة للنظام البائد شكلت أداة مركزية للقمع ارتبطت بأجهزة الاستخبارات والشرطة العسكرية والمشافي العسكرية. ويبرز هنا اسم معتقل صيدنايا، أو “المسلخ البشري” بحسب وصف منظمات حقوقية دولية، كمحطة أخيرة خرج منها النزلاء جثثاً تدفن في مقابر الأرقام، أو ضحايا لجريمة سرقة الأعضاء البشرية على يد أطباء ارتبطوا بمافيات دولية للاتجار بالبشر.
ولم يتوقف الأمر عند البالغين، فقد وثقت شهادات وتحقيقات جرائم إخفاء أطفال المعتقلين وتغيير أسمائهم وهوياتهم ونسبهم في محاولة لطمس الذاكرة السورية وتفكيك نسيجها الأسري. ويأتي برنامج “أثر” الذي أطلقته الهيئة الوطنية للمفقودين ليمثل منصة لتسجيل الأسماء ومحاولة لتحويل آلاف القصص إلى سجل وطني يقود إلى إجابات، فالحقيقة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن بناء عدالة فوق قبور مجهولة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة