سوريا
سياسة

داريا: حكايات الصمود والتهجير والعودة إلى عرائش العنب

قناة الإخبارية٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٠ ص0 مشاهدة
داريا: حكايات الصمود والتهجير والعودة إلى عرائش العنب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "داريا.. عرائش العنب وحكايات الثورة ورحلتا التهجير والعودة" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كانت الحافلات تستعد لمغادرة داريا، بينما كانت أسراب من الطيور المهاجرة تعبر سماء المدينة في الاتجاه نفسه، في تلك الجغرافيا المحاصرة بالعسكر والمدافع كان أهل داريا يصعدون إلى الحافلات حاملين ما خفّ من أمتعتهم. في الأعلى كانت الطيور تمضي في رحلة تعرف طريقها جيداً، تعرف أين تحلق وأين تبات وأين وجهتها ومدة زيارتها، بينما يمضي ثوار داريا إلى مكان لا يعرفون عنه إلا اسمه، غالبيتهم لم يفكّر يوماً حتى بزيارة الشمال السوري.

توقّف كل شيء في تلك اللحظة أو هكذا بدا لأهل المدينة، الشوارع التي اعتادوا أن يقطعوها كل صباح صارت خلف نوافذ الحافلات، والبيوت التي احتموا بها خلال سنوات القصف تحولت إلى آخر ما تلتقطه عيونهم قبل الرحيل، لملموا ثياباً وحاجيات قليلة، وحملوا معهم صور من رحلوا، وتركوا خلفهم قبوراً وبيوتاً، وأحلاماً لم يكتمل معظمها. كان بينهم من يبكي، ومن يحاول أن يخفي دموعه، ومن يراقب الطريق بصمت، ومن يتمسك بفكرة واحدة كي يستطيع المضي “سنعود”.

شكّل التغيير الديموغرافي وحصار المناطق الثائرة إحدى أبرز الاستراتيجيات الممنهجة التي اتبعها نظام الأسد البائد وحلفاؤه لإجهاض الحراك المناهض له وإعادة هندسة الخارطة السكانية بإقصاء الثائرين وإبعادهم بالدرجة الأولى عن العاصمة. واعتمدت هذه الاستراتيجية على كسر إرادة المجتمعات المحلية عبر سلاح الجوع، واستغلال الإنهاك الجسدي والنفسي للعائلات المحاصرة للوصول إلى تسويات تفضي إلى التهجير القسري. وتعد مدينة داريا النموذج الأكثر وضوحاً وقسوة لتطبيق هذه الاستراتيجية من حصار وعزل وحرمان من أساسيات الحياة كحليب الأطفال والطحين والأدوية.

في صباح 26 آب 2016، وقفت الحافلات عند مداخل داريا، تنتظر أن تحمل ما تبقى من مدينة أنهكها الحصار، حيث يصف مالك الرفاعي، الناشط الإعلامي الذي عمل في المكتب الإعلامي للمجلس المحلي في داريا، تلك اللحظة بأنها مزيج من القلق والرعب من رحلة الطريق والحزن على الفقد. وفي 28 آب، كانت داريا قد فقدت خلال يومين فقط أكثر من 1300 عائلة، عدا عن آلاف العائلات التي نجت في سنوات سابقة.

ويستعيد مدير المكتب الإعلامي لمدينة داريا ياسر جمال الدين أهمية القرب الجغرافي المباشر لداريا من قلب العاصمة دمشق، وملاصقتها لمطار المزة العسكري والمقرات السياسية والأمنية السيادية، مؤكداً أنه شكل عاملاً حاسماً جعل العبء العسكري والأمني عليها مضاعفاً. وبدأت حكاية داريا مع الثورة بحراك سلمي تميز وبتنظيم لافت، خرج أبناؤها حاملين الزهور والمياه للجنود، قبل أن تتصاعد الأحداث وتتخذ مساراً آخر مع تشكيل مجموعات الجيش الحر ومجالس الإدارة المحلية.

وبعد ارتكاب مجزرة مروعة في آب عام 2012 أسفرت عن مئات الشهداء والمصابين، أغلقت قوات النظام مداخل داريا ومنعت الدخول والخروج وقطعت عنها مقومات الحياة، لتبدأ سنوات الحصار الأربع القاسية التي شهدت قصص صمود ومعاناة رواها أبناء المدينة مثل منى العبار ومالك الرفاعي وياسر جمال الدين، لتنتهي المرحلة بالخروج القسري نحو إدلب وحرجلة، قبل أن تتجدد حكاية العودة إلى داريا وكروم عنبها.

شارك الخبر: