سوريا
سياسة

بعد 13 عاماً على مجزرة الغوطة: الضحايا حاضرون في الذاكرة والعدالة معلقة بين سوريا وأوروبا

حرية برس٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٢٤ ص0 مشاهدة
بعد 13 عاماً على مجزرة الغوطة: الضحايا حاضرون في الذاكرة والعدالة معلقة بين سوريا وأوروبا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ضحايا الكيماوي لم يُنسوا.. لكن العدالة ما زالت عالقة خارج سوريا" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ليلة 21 آب/أغسطس 2013، تجاوز ملف كيماوي الغوطة حدود كونه مجرد ذكرى سنوية لاستحضار المأساة. تشهد الساحة داخل سوريا حراكاً قضائياً غير مسبوق يشمل محاكمات وأحكاماً واعتقالات تطال منفذي الجرائم والمحرضين وكل من شارك في آلة القمع والدعاية التابعة للنظام السابق. في المقابل، تبدو الصورة مختلفة تماماً خارج الحدود السورية، حيث تتواصل التحقيقات وتصدر مذكرات التوقيف الدولية وتتكدس آلاف صفحة من الأدلة، دون أن يقف كبار المتهمين في هذا الملف أمام محكمة تصدر بحقهم حكماً نهائياً حتى الآن.

شهد المشهد الداخلي في سوريا تحولات جذرية بعد سقوط النظام السابق. وفيما يتعلق بملف الأسلحة الكيميائية، أعلنت السلطات عن توقيف اللواء عدنان عبود حلوة للاشتباه بمسؤوليته عن هجوم السارين على الغوطة. كما صرح مندوب سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية محمد كتوب في أيار/مايو الماضي أن السلطات تحتجز 18 شخصاً يُشتبه بتورطهم في البرنامج الكيميائي، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون رفيعو المستوى، مع التحفظ على أسرائهم نظراً لاستمرار التحقيقات. بالتوازي مع ذلك، نجحت فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذا العام في العثور على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة مسبقاً، إلى جانب مواد ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق، شملت صواريخ مطابقة لتلك المستخدمة في هجوم الغوطة عام 2013، مما يؤكد أن إعلان النظام السابق عن ترسانته لم يكن دقيقاً ولا مكشفاً لحجم البرنامج الحقيقي.

تتزامن هذه التطورات مع تحركات قضائية واسعة النطاق داخل البلاد، حيث صدرت في آب/أغسطس الجاري أول أحكام سورية بحق شخصيات بارزة تورطت في جرائم عهد الأسد. وأكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن هذه المحاكمات تشكل فرصة بالغة الأهمية لتحقيق العدالة المنتظرة، على الرغم من إثارتها لبعض التساؤلات المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة والأطر القانونية المتبعة.

أما على الصعيد الخارجي، فتتجلى المفارقة بوضوح عند الحدود؛ ففي فرنسا، فُتح تحقيق قضائي رسمي عام 2021 يستهدف هجمات الغوطة ودوما لعام 2013، مدعوماً بشهادات الناجين والوثائق والتقارير الاستخباراتية. وفي نونبر 2023، أصدر قضاة فرنسيون مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وماهر الأسد والعميد غسان عباس والعميد بسام الحسن. وبعد مسار قانوني معقد حول حصانة الرؤساء، أبطلت محكمة النقض الفرنسية مذكرة بشار الأسد في 25 تموز/يوليو 2025 لكونها صدرت أثناء توليه منصبه، مؤكدة أن زوال صفته يتيح إصدار مذكرة جديدة، وهو ما حدث فعلياً بعد أربعة أيام فقط في 29 تموز. ورغم هذه الخطوات القانونية، لم يمثل كبار المسؤولين المشمولين بهذه المذكرات أمام القضاء الفرنسي بعد. ولا تقتصر المساعي على فرنسا وحدها، إذ قُدمت شكاوى جنائية في ألمانيا خلال تشرين الأول/أكتوبر 2020، وفي السويد في نيسان/أبريل 2021، استناداً إلى شهادات الناجين ومواد التوثيق، دون صدور أحكام نهائية تخص هجوم الغوطة حتى اللحظة.

لم يكن ضحايا الهجمات منسيين؛ فقد بُني الملف الفرنسي بمشاركة واسعة من الضحايا والعاملين الذين أجروا مقابلات مع أكثر من 90 شاهداً، ويمثل الفريق القانوني أكثر من عشرين ناجياً. وفي الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة، أكدت رابطة الناجين من الأسلحة الكيميائية توثيق أسماء 1466 ضحية قضوا بغاز السارين في الغوطة إلى جانب نحو عشرة آلاف مصاب، مشيرة إلى تسليم هذه البيانات للجنة التحقيق الدولية. كما أصدرت سوريا وفرنسا في 21 آب الجاري بياناً مشتركاً يجدد الالتزام بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مع إعلان دمشق طلبها الانضمام إلى «الشراكة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب عن استخدام الأسلحة الكيميائية».

تبقى قضية الإعلاميين والمحرضين والشماتين واحدة من أكثر الملفات حساسية، إذ يطالب الشارع بمحاسبة كل من شارك في تبرير الجرائم أو السخرية من الضحايا. غير أن القانون خارج سوريا لا يعاقب لمجرد المواقف الصادمة أو الدفاع السياسي عن النظام، ما لم يثبت أن الخطاب شكل تحريضاً مجرماً أو مساهمة فعلية في ارتكاب الجرائم، وهو ما يفسر غياب قضايا أوروبية بارزة لمحاكمة إعلاميين بتهمة الشماتة بضحايا الغوطة، مما يخلق شعوراً بأن دائرة العدالة الخارجية أضيق من المسؤولية الأخلاقية.

تتزايد الأدلة وتتوسع التحقيقات، خصوصاً بعد تمكن مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من دخول مواقع جديدة والحصول على وثائق تؤكد تضليل النظام السابق. ورغم ذلك، يظل المطلوبون الأساسيون وعلى رأسهم بشار الأسد الموجود في روسيا بعيدين عن متناول القضاء الفعلي. ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد بين أهالي الغوطة بعد مرور ثلاثة عشر عاماً: متى يقف المخططون والآمرون والمنفذون في قفص الاتهام أمام المحكمة، بدلاً من الاكتفاء بمذكرات التوقيف والتقارير الدولية؟

شارك الخبر: