التحديات الخفية لعودة السوريين: فاتورة باهظة تحول حلم الاستقرار إلى معركة بقاء


هذا الخبر بعنوان "أبعد من الخوف.. الفاتورة المنسية لعودة السوريين إلى بلادهم" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات عجاف وسقوط نظام الأسد، فتحت أبواب السجون وأمام السوريين احتمالات جديدة للحياة من بينها تحقيق حلم العودة. على مدى أكثر من عقد من الزمان، ارتبطت مناقشات عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم بملف المخاوف الأمنية، وكان السؤال التقليدي هو “هل من الآمن العودة؟”. غير أن التحولات السياسية والميدانية الكبرى التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد غيرت المعايير، وفتحت الباب أمام موجة عودة واسعة النطاق؛ حيث تشير تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 1.7 مليون لاجئ قد عادوا من الخارج، بالتوازي مع قرابة 1.9 مليون نازح داخلياً عادوا إلى مناطقهم الأصلية.
ومع ذلك، كشف هذا التدفق البشري عن حقيقة مغيبة وهي أن الخوف لم يعد العائق الوحيد، فخلف الأمان النسبي، تبرز فاتورة منسية للعودة تحول حلم الاستقرار إلى معركة يومية قاسية للبقاء. يصطدم العائدون بداية بغياب المأوى المتاح، ففي مدن كبرى مثل حمص وحلب وريف دمشق، يجد مئات الآلاف أن منازلهم إما سُوّيت بالأرض أو تحولت إلى هياكل متآكلة ومحروقة تفتقر للنوافذ والأبواب والجص. ومع تضاعف أسعار مواد البناء وغياب الدعم الدولي المنظم لإعادة الإعمار والتمويل، يجد المواطن نفسه عاجزاً عن تأمين سقف يؤويه، مما يدفعه للسكن في بيوت غير آمنة إنشائياً أو الاستمرار في العيش بظروف تشبه المخيمات.
علاوة على ذلك، يبدو الواقع الخدمي منهكاً، فمعظم المناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية مثل المياه والكهرباء وسط ساعات تقنين طويلة، فضلاً عن معاناة المدارس الحكومية من تكدس الفصول ونقص المعلمين، والقطاع الطبي الذي يشهد نقصاً حاداً في الكوادر والمستلزمات الطبية. كما يصطدم العائدون بسوق عمل محلي شبه مشلول وتضخم جامح وفرص عمل نادرة، إلى جانب التعقيدات الهائلة في إثبات الملكيات العقارية وحل نزاعات الأراضي واستخراج الوثائق المدنية المفقودة.
ولا تقتصر الأزمة على الجانب المادي، بل تمتد إلى الفاتورة النفسية العميقة التي تشمل صدمة الفقدان الجغرافي واضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب نتيجة رؤية أماكن الطفولة مدمرة، إضافة إلى أزمة الهوية الحادة والشعور بالانعزالية وعدم الانتماء، فضلاً عن الصدمة الثقافية واللغوية التي يواجهها الأطفال. إن الفاتورة المنسية لعودة السوريين باهظة للغاية، وإذا استمر المجتمع الدولي في تجاهلها، فإن هذه العودة قد تتحول قريباً إلى موجات جديدة من النزوح أو الهجرة غير الشرعية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة